مقالات

رقمنة الوصفة الطبية.. نجاح تقني يحتاج انضباطًا مهنيًا

Listen to this article

 

أ. صالح بن خميس الزهراني

لا جدال في أن ما وفرته القيادة السعودية من خدمات صحية رقمية يمثل قفزة نوعية غير مسبوقة، حتى وفق المقاييس العالمية وفي الدول المتقدمة. فقد أسهم التحول الرقمي في القطاع الصحي في تسهيل الوصول إلى الخدمات، وتعزيز كفاءة الأداء، وتحقيق قدرٍ عالٍ من العدالة الصحية. غير أن بعض التفاصيل التطبيقية، ولا سيما ما يواجهه المرضى عند تحويل وصفاتهم إلى منصة «وصفتي»، ما زالت بحاجة إلى معالجة تضمن اكتمال التجربة كما خُطط لها.

ففي الواقع العملي، لا يشعر بعض المرضى بالاطمئنان إلى أن خدمتهم ستُنجز بسهولة من أول صيدلية يقصدونها، إذ تكشف التجربة أحيانًا عن فجوة بين الهدف المأمول والتطبيق الميداني. وهذه الفجوة تستدعي مزيدًا من التنظيم والتكامل بين الجهات الصحية والصيدليات، بما يضمن سرعة صرف الدواء وفق ما دوّنه الطبيب في الوصفة الإلكترونية من غيز تعديل او رفض، وتوحيد آليات التنفيذ، وتحقيق الغاية الأساسية من الخدمة، وهي راحة المريض وسهولة حصوله على العلاج دون عناء أو تكرار المحاولات.

إن إشراك القطاع الخاص في مهنة الصيدلة، وتحويل الوصفة الطبية إلى منظومة رقمية متكاملة، لم يكن منّة أو تفضّلًا، بل خيارًا تنظيميًا واقتصاديًا تبنته الدولة لرفع كفاءة الخدمة الصحية، وتخفيف الضغط عن المرافق الحكومية، وتسهيل وصول الدواء للمريض بأيسر الطرق وأسرعها. وما تحقق في هذا المسار يُعد نقلة نوعية حقيقية، خصوصًا مع إتاحة صرف الدواء إلكترونيًا وإمكانية توصيله إلى منزل المريض، وهي خدمات تضاهي ما تقدمه أرقى الأنظمة الصحية عالميًا.

إلا أن المشهد الميداني، في بعض الحالات، لا يزال بعيدًا عن هذا الطموح؛ إذ يجد المريض نفسه مضطرًا للتنقل بين أكثر من صيدلية بحثًا عن دوائه، بعد أن حُوّلت وصفته عبر النظام، في تجربة مرهقة لا تنسجم مع روح التحول الصحي، ولا مع الهدف الجوهري من رقمنة الوصفة، والذي يقوم على التيسير لا التعقيد.

وتبرز هنا إشكالية أخرى تتمثل في تغيير اسم الدواء الموصى بصرفه، بحجة وجود تحديثات أو تعليمات جديدة، ليُعرض على المريض بديلٌ قد يقبله بعضهم، فيما يجهل آخرون حقهم في الاستفسار عمّا إذا كان الدواء البديل يطابق في مواصفاته وتركيبته ما أوصى به الطبيب. وغالبًا ما يكتفي المريض بإجابة مقتضبة تطمئنه ظاهريًا، دون أن يكون على دراية كافية بالتفاصيل الطبية الدقيقة.

وتتضاعف هذه المعاناة عندما يلاحظ المريض أن عددًا من الصيدليات لم يعد يؤدي دوره التخصصي بوصفه منشأة صحية، بل تحوّل تدريجيًا إلى صالات بيع تجارية، تُعرض فيها منتجات تجميلية واستهلاكية لا تمت للعلاج بصلة مباشرة، في حين يُخصص للدواء – وهو جوهر الصيدلة – حيز محدود، أو يُستبدل ببدائل قد لا تكون متوفرة دائمًا.

هذا التحول غير المنضبط في وظيفة الصيدليات أسهم في تشتيت تركيزها عن مهمتها الأساسية، وأضعف التزامها بتوفير الأدوية بصورة شاملة، ما انعكس سلبًا على تجربة المريض، وجعل رحلة العلاج عبئًا نفسيًا وبدنيًا، خصوصًا على كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في تنظيم عمل الصيدليات، بما يعيد لها هويتها الصحية والتخصصية، ويضمن أن يكون توفير الدواء وصرفه أولوية قصوى لا نشاطًا ثانويًا. ولعل من المناسب دراسة قصر نشاط الصيدليات – أو ضبطه بصرامة – على المستحضرات العلاجية والمنتجات الطبية المعتمدة، بما يمنع تحوّلها إلى ما يشبه “السوبر ماركت”، ويعيد الاعتبار للدواء بوصفه سلعة صحية حساسة لا تجارية بحتة.

كما أن من الضروري التأكيد على مبدأ أساسي، وهو أن تُصرف الوصفة الطبية كما أوصى بها الطبيب دون تغيير، وألا يُسمح لأي صيدلية باستبدال الدواء بدافع تجاري أو نتيجة خصومات تقدمها بعض شركات الأدوية، وهو أمر يثير تساؤلات مشروعة حول تضارب المصالح ويستوجب رقابة صارمة.

والأهم من ذلك، ألا يتدخل أي مسؤول – سواء في وزارة الصحة أو في شركة الصحة القابضة – في صرف علاج يتجاوز أو يختلف عما قرره الطبيب المعالج، فالمسؤولية الطبية يجب أن تبقى بيد المختص، حمايةً لسلامة المريض وحقوقه.

كما أن تمكين المراكز الصحية من صرف العلاج للمريض وفق ما أوصى به الطبيب يُعد خطوة مهمة، ويحد من حصر بعض الأدوية في المستشفيات الكبرى دون مبرر واضح، إلا إذا كان هناك قصور في قدرات بعض الكوادر الطبية في تلك المراكز يحول اعطائهم صلاحية الصرف فذلك خلل مهني يجب معالجته فالمريض هو مريض بالمستشفى او المركز الصحي..، وهذا أمر ينبغي معالجته بالتدريب والدعم، لا بتقييد الخدمة على حساب المريض.

إن نجاح أي برنامج صحي لا يُقاس بحداثة تقنيته أو جمال فكرته، بل بمدى انعكاسه الإيجابي على حياة المريض اليومية، وطمأنينته، وسهولة حصوله على علاجه من أول صيدلية يقصدها، دون عناء أو دوران. فالمريض لا يبحث عن تنوع الرفوف، بل عن دوائه، ولا يعنيه عدد المنتجات المعروضة بقدر ما يعنيه أن يجد علاجه كاملًا، في مكان واحد، وبكرامة تليق بإنسانيته.

ولا شك أن الصحة، إلى جانب الأمن الداخلي والخارجي، كانت وستظل في صدارة أولويات دولتنا، وهو ما يستدعي مواصلة التطوير، والاستماع لتجربة المستفيد، وتصحيح المسار حيثما دعت الحاجة، حتى تكتمل منظومة التحول الصحي بالصورة التي تليق بالإنسان السعودي.

إن الاستماع لتجربة المستفيد، ومعالجة هذه التحديات التنظيمية، سيعزز ثقة المجتمع في منظومة التحول الصحي، ويضمن أن تحقق المبادرات الرقمية غايتها الأساسية: مريض مطمئن، وخدمة متكاملة، ودواء متاح بكرامة من أول محطة علاجية.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقالة رائعة شخّصت حالة يعاني منها كثير من المرضى فعدم وجود الدواء الموصوف من الطبيب المعالج ومحاولة بعض الصيدليات صرف دواء بديل يجعل المريض بين نارين إما القبول بالدواء البديل على علاّته وقد لا يؤدي الغرض المطلوب أو يقوم بالبحث عن الدواء الموصوف ويتنقل من صيدلية إلى أخرى ولا تسأل عن الإرهاق والتعب وبخاصة إذا كان المريض يعاني من مشقة البحث. ومن الرائع في المقالة إنه لم يكتف بطرح المشكلة ولكنه وضع الحلول لحل المشكلة وهو ما يعطي المقالة مصداقية وأهمية كبيرة للنظر فيها من المسؤولين في المجال الصحي. اما مسألة أن الصيدليات لم تعد تعطي الدواء أهمية كبيرة ولم يعد يقتصر نشاطها على الأدوية بل اصبحت كسوبرماركت فهي حقيقة واقعية واضحة كالشمس في رابعة النهار ومن جمال المقالة انها ختمت الموضوع بالقول بأن العبرة في أي تنظيم هو مدى استفادة الإنسان من مخرجات هذا التنظيم وهذه حقيقة فلا عبرة بتنظيم لا يحقق أهدافه كاملة ولا يعيد صياغته بما يسد الثغرات التي تظهر خلال التطبيق.
    لقد ابدعت يا ابا محمد في عرض هذه المشكلة التي يعاني منها كثير من المرضى واكاد اجزم إن كل من يقرأ مقالتك سيدعو لكم بالتوفيق والسداد. ولك تحياتي وتقديري

زر الذهاب إلى الأعلى