مقالات

التوطين.. عندما تتحول الوظيفة إلى ثغرة أمنية..!

Listen to this article

 

أ. صالح بن خميس الزهراني

لا يزال بعضنا يتعامل مع التوطين بوصفه ملف توظيف عاديًا، أو إجراءً تنظيميًا مرتبطًا بسوق العمل، بينما الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح ودون مواربة هي أن إغفال التوطين في كثير من المهن، خصوصًا المهن السيادية، يفتح ثغرات أمنية حقيقية تمس أمن الدولة والمجتمع معًا.

نحن لا نعيش في زمن الوظائف التقليدية، بل في عصر تحكمه البيانات والمعلومات والأنظمة الرقمية. فالموظف اليوم، مهما كان موقعه، قد يطّلع على بيانات شخصية، أو أسرار مؤسسية، أو تفاصيل تشغيلية تمس قطاعات حيوية.. ومن هنا يبرز السؤال المنطقي الذي لا بد من طرحه:
هل من الحكمة ترك هذه المواقع الحساسة خارج نطاق التوطين الكامل؟ بالطبع لا..

لان كثير من اختراقات المعلومات عالميًا لم تبدأ من هجمات سيبرانية معقدة، بل من الداخل الوظيفي؛ من شخص يملك الوصول والمعرفة والقدرة على النقل أو التسريب. وحين يكون هذا الشخص غير مستقر وظيفيًا أو لا يمتلك ولاءً مؤسسيًا أو وطنيًا، فإن المخاطر تتضاعف مهما بلغت قوة الأنظمة التقنية.
ومن هنا، فالتوطين ليس شعارًا، بل إجراء وقائي لحماية أمن المعلومات.

البطالة بين المواطنين.. تهديد صامت

الأمن المجتمعي لا يُقاس فقط بعدد الدوريات أو القوانين، بل بمستوى العدالة في الفرص. فالشاب أو الشابة الذين يُستبعدون من سوق العمل، بينما تُفتح الأبواب لغيرهم، خصوصًا من خارج الوطن، لا يشكّلون رقمًا عابرًا، بل حالة احتقان صامتة قد تنفجر في أي وقت.
وكل مجتمع يُهمل أبناءه وظيفيًا، يدفع الثمن اجتماعيًا.

اقتصاد بلا كوادر وطنية.. اقتصاد هش

الأزمات العالمية، وعلى رأسها جائحة كورونا، كشفت هشاشة بعض الاقتصادات التي اعتمدت على العمالة الوافدة في مفاصلها الأساسية. قطاعات توقفت، وخدمات تعطلت، لأن من يديرها ببساطة غادر.
ومن هنا، فإن التوطين ليس تفضيلًا وطنيًا فقط، بل ضمان لاستمرارية الاقتصاد وقت الأزمات.

وفي القطاع الصحي، يرتبط التوطين بسرية البيانات الشخصية لكل مواطن من الجنسين، واستمرارية الرعاية، وبناء الثقة بين المريض والمنظومة الصحية الوطنية.
أما في التعليم، بما في ذلك المدارس الأجنبية، فالحديث عن التوطين هو حديث عن من يصنع الوعي، ويشكّل القيم، ويبني الانتماء. والتعامل مع هذين القطاعين بعقلية “سد شواغر” من خارج الوطن يُعد خطأً استراتيجيًا.

دروس من الخارج

شهد العالم دولًا فقدت السيطرة على بيانات مواطنيها، مثل:

  • بنغلاديش (2023): تسريب بيانات أكثر من 50 مليون مواطن.

  • بلغاريا (2019): اختراق وكالة الإيرادات وتسريب بيانات نحو 5 ملايين مواطن.

  • الصين – شنغهاي (2022): تسريب بيانات ضخمة تجاوزت المليار سجل.

كما شهد دولًا شُلّت خدماتها الحيوية عند أول أزمة، مثل:

  • العراق بعد 2003، نتيجة تفريغ المؤسسات من الكفاءات الوطنية والاعتماد على الخارج.

  • ليبيا بعد 2011، مع غياب استراتيجية للحفاظ على الكوادر الوطنية.

  • لبنان نتيجة هجرة العقول وتهميش الكفاءات.

  • بعض دول أوروبا الشرقية وإفريقيا التي فقدت قرارها المؤسسي بعد هجرة الكفاءات أو خصخصة دون بدائل وطنية.

 بقي لي أن قول:

إذا بحثنا بعمق، سنجد أن دولًا كثيرة أدركت متأخرة أن غياب الكفاءات الوطنية كلفها سيادتها قبل اقتصادها.. فالدول لا تفقد سيادتها فجأة، بل تفقدها تدريجيًا عندما تُفرغ مؤسساتها من كفاءاتها الوطنية، فتخسر القرار قبل أن تخسر الاقتصاد.

إن التوطين في أغلب المهن لم يعد مطلبًا اجتماعيًا أو اقتصاديًا فقط لأي دولة، بل ضرورة أمنية لا تحتمل التأجيل. فالأوطان لا تُدار بعقول وافدة مستأجرة، بل بالعقول الوطنية المؤهلة، المنتمية للدولة والوطن، التي ترى في نمو الوطن وتنميته استقرارًا لها.

ومن أراد أمنًا مستدامًا، فليبدأ بتوطين جاد، واعٍ، وحاسم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى