في مستهلّ كل طريق سلكته، كنت أظن أن النجاح خطٌّ مستقيم، وأن الخطأ محطة عابرة يجب تجاوزها سريعًا أو إخفاؤها خلف ابتسامة واثقة. كنت أعتقد أن عليّ أن أكون دائمًا مستعدة، دائمًا على صواب، ودائمًا قوية. غير أن الحياة، بهدوئها العميق، اختارت أن تعلّمني درسًا مختلفًا؛ مفاده أنني لا أتشكّل بالنجاحات وحدها، بل بالأخطاء التي تسبقها وتمهّد لها.
أستعيد بداياتي الأولى في الدراسة، حين كنت أدخل القاعات محمّلة بالحلم أكثر من المعرفة، وبالرهبة أكثر من الثقة. أخطأت في الإجابة، وترددت في طرح السؤال، وشككت أحيانًا في قدرتي على الاستمرار. إلا أنني أدرك اليوم أن تلك اللحظات لم تكن مظهر ضعف، بل كانت أول أشكال الشجاعة؛ شجاعة الاعتراف بأنني في طور التعلّم، وأن الكمال ليس شرطًا للسير في الطريق الصحيح.
وعندما حصلت على شهادتي الجامعية، ساورني شعور عابر بأنني وصلت إلى النهاية، وأن الطريق بات واضح المعالم، وأن الأخطاء أصبحت من الماضي. غير أن الواقع المهني كان بداية جديدة تمامًا. أول مهمة أُسندت إليّ، وأول اجتماع شاركت فيه، وأول قرار تحملت مسؤوليته؛ كلها كانت مساحات مفتوحة للتجربة، وللخطأ، ولإعادة النظر في الذات قبل أي شيء آخر.
كنت أعود في نهاية كل يوم، لا لأحصي إنجازاتي فحسب، بل لأراجع عثراتي أيضًا. ماذا قلت؟ ماذا كان ينبغي أن أقول؟ أين تسرعت؟ وأين كان عليّ أن أكون أكثر هدوءًا؟ ومع تتابع هذه الأسئلة، لاحظت أن ثقتي بنفسي لم تتراجع، بل كانت تُعاد صياغتها. أصبحت أكثر وعيًا، أقل اندفاعًا، وأكثر تواضعًا.
تعلمت أن الخطأ لا يأتي ليهزمنا، بل ليهزم الصورة المثالية التي نرسمها لأنفسنا؛ تلك الصورة التي توهمنا بأن القوة تعني عدم السقوط، وأن النجاح يعني عدم التعثر. بينما الحقيقة التي اكتشفتها أن القوة الحقيقية تكمن في النهوض بعد السقوط، وفي الاستمرار بعد التردد، وفي المحاولة بعد الخوف.
أجمل التجارب التي شكّلتني لم تبدأ بخطط محكمة، بل بخطوات مترددة. مشروع ظننته فشلًا فتح لي بابًا جديدًا لم أكن أراه. موقف محرج علّمني قيمة الصمت وحكمة اختيار الكلمات. وفرصة لم تكتمل جعلتني أقدّر الفرص التي بقيت، وأتعامل معها بامتنان ومسؤولية أكبر.
اليوم، كلما بدأت تجربة جديدة، لا أبحث عن الكمال، بل عن الصدق في المحاولة. لم أعد أخشى الخطأ كما في السابق، بل أراه جزءًا أصيلًا من الرحلة، ومعلمًا صامتًا يرافقني في كل مرحلة. أدركت أن النجاح ليس نقيض الخطأ، بل ثمرة من ثماره.
ومتعة الخطأ، بالنسبة لي، لا تكمن في العثرة ذاتها، بل في لحظة النهوض بعدها، حين أشعر أنني أصبحت نسخة أعمق من نفسي؛ أكثر تواضعًا، وأكثر فهمًا للآخرين، وأكثر تصالحًا مع ذاتها. فما أنا عليه اليوم لم تصنعه إنجازاتي وحدها، بل أسهمت أخطائي أيضًا في تشكيله.. لأنها علّمتني كيف أكون إنسانة، قبل أن أكون ناجحة.