تُعدّ هذه القضية – إبستين- ذات سوابق قديمة، إذ لم يُتخذ بحقها إجراء عدلي مكتمل منذ ما يقارب عقدين من الزمن. غير أن أوراقها بدأت تتكشف في عام 2019، عندما عُثر على إبستين جثة هامدة، وأُعلنت نتائج التحقيقات حينها على أنها حالة انتحار. إلا أن التحريات الأولية كشفت أن الكاميرات في موقع توقيفه كانت متوقفة بفعل فاعل في توقيت الحادثة، وأن الحراس كانوا نائمين، وهو ما جرى تسريبه آنذاك.
توالت الأخبار في تلك الفترة على استحياء، من بينها الوعود الانتخابية لترامب في حملته للفترة الرئاسية الثانية، حيث تعهّد بالكشف الكامل عن ملفات القضية. غير أن ترامب ماطل، ثم وقع خلاف بينه وبين ماسك، ليقوم الأخير بنشر معلومة مفادها أن اسم ترامب وارد ضمن ملف القضية، قبل أن يحذفها مباشرة، إلا أن الملايين كانوا قد احتفظوا بها. ومنذ ذلك الحين بدأت أوراق شجرة التوت تتساقط، عبر تسريبات إعلامية نشرتها بعض الصحف الأمريكية مع مطلع عام 2025، وهي الفترة التي شهدت بداية الولاية الرئاسية الثانية لترامب.
وبفعل الضغوط السياسية التي مارسها معارضو ترامب، وافق الأخير على إحالة الملف إلى وزارة العدل الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، لتبدأ إجراءات التحقيق رسميًا. وقد نشرت وزارة العدل الأمريكية الدفعة الأولى من بعض أوراق القضية، أعقبتها لاحقًا دفعة ثانية تضمنت وثائق وصورًا ومقاطع مصورة، كشفت جانبًا من العوار والأحداث المؤلمة التي تعرضت لها قاصرات، شملت الاغتصاب، وإجهاض بعضهن، والتعذيب النفسي، وغيرها من الانتهاكات.
إن ما يحدث في قضية إبستين هو تعبير حقيقي عن الكيفية التي يُدار بها العالم، للأسف، من قِبل بعض القوى العظمى التي ضربت بالإنسانية عرض الحائط.
البعض يصف القضية بأنها «زوبعة في فنجان»، لكن أي زوبعة هذه التي يُراد التقليل من شأنها، وهي في حقيقتها بركان يقذف حممه ودخانه، وستصل سُحبه إلى دول كبرى، وتمس شخصيات عالمية، وسيصاب كثيرون بالصدمة عند انكشاف بعض تلك الأسماء.
إنها مأساة بشعة وسادية، فحتى الحيوانات تنفر من ارتكاب جريمة «اغتصاب القُصّر»، فكيف بأشخاص يدّعون أنهم يديرون العالم، سواء داخل بلدانهم أو عبر علاقاتهم السياسية الدولية، ويتشدقون بالديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان.
حسنًا، إذا كنت راضيًا عمّا فعلته هذه النخب العالمية خلال الثلاثين عامًا الماضية في مجالات الاقتصاد والسياسة والإعلام ونجومية الفن، فهل ترضى أن يدير هؤلاء الساديون حياتك وحياة أسرتك، وأرضك، وعِرضك؟ إن كنت كذلك، فهنيئًا لك، وودّع عزتك وكرامتك في سلة المهملات.
ألم تعلم أن قيمنا الدينية والإنسانية كرّمت بني آدم في البر والبحر؟ بل إن الحيوانات لا تُعذّب كما عُذّبت هؤلاء القاصرات في الغرف المظلمة «المزوّدة بكاميرات التجسس الماسونية».
إن الشرفاء وأصحاب العزة والكرامة هزموا ودحروا شياطين الإنسانية عبر التاريخ. وإن شئت، فارجع إلى تاريخ أجدادك؛ ألا تعلم أن الليل لا بد أن ينجلي، وأن شمس الحياة ستشرق ليعمّ الكون العدل والكرامة؟
وقد لامسني تعليق أحدهم حين قال: «إن أسرار الدول تُكشف في جزيرة الشيطان»، في إشارة إلى «جزيرة إبستين للملذات الشريرة». ومن يعرف خفايا وحقارة بعض أجهزة الاستخبارات، ومنها الإسرائيلية وغيرها، يدرك تمامًا ما المقصود.