مقالات

العلم السعودي.. ثلاثة قرون من السيادة والهوية

Listen to this article

أ. صالح بن خميس الزهراني 

يُعدّ العلم رمزًا سياديًا جامعًا يعكس هوية الدولة وقيمها وتاريخها، وفي المملكة العربية السعودية يحتل العلم مكانة خاصة تتجاوز كونه راية وطنية ليصبح تعبيرًا عن عقيدة الدولة ورسالتها. فالعلم السعودي ليس مجرد لونٍ أو شكلٍ يُرفع في المناسبات، بل هو خلاصة مسيرة تاريخية امتدت لأكثر من ثلاثة قرون، منذ قيام الدولة السعودية الأولى عام 1727م (1139هـ)، حين رُفعت راية خضراء تحمل كلمة التوحيد، لتكون إعلانًا واضحًا لهوية الدولة الدينية والسياسية في آنٍ واحد.

البدايات الأولى.. راية التوحيد

مع تأسيس الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود، ارتفعت راية خضراء كُتبت عليها عبارة “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، في دلالةٍ عميقة على أن هذه الدولة قامت على أساس العقيدة الإسلامية. وقد ارتبط اللون الأخضر منذ ذلك الوقت بالدولة السعودية، لما يحمله من رمزية في الثقافة الإسلامية، حيث يمثل الخير والنماء والارتباط بتاريخ الحضارة الإسلامية.

لم تكن الراية مجرد علامة عسكرية أو إدارية، بل كانت رمزًا لوحدة الصف تحت مظلة التوحيد، وهو ما جعلها تحمل قيمة معنوية عميقة لدى أبناء البلاد والقبائل التي انضوت تحت لواء الدولة.

استمرار الرمز في الدولة السعودية الثانية

وعندما قامت الدولة السعودية الثانية في القرن التاسع عشر بقيادة الإمام تركي بن عبد الله، استمر استخدام الراية الخضراء ذاتها مع بعض التغييرات الشكلية البسيطة، لكن جوهرها بقي ثابتًا؛ راية التوحيد التي تعبّر عن هوية الدولة الدينية والسياسية.

وقد حافظت هذه الراية على مكانتها خلال تلك المرحلة، إذ بقيت رمزًا للوحدة والسيادة، وأحد أهم العلامات التي تميز الدولة السعودية عن غيرها من الكيانات السياسية في الجزيرة العربية آنذاك.

مرحلة التوحيد وبداية التطوير

مع انطلاق مشروع توحيد البلاد بقيادة الملك المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود في مطلع القرن العشرين، ظل العلم الأخضر حاضراً في ساحات المعارك والميادين السياسية، حيث رُفع في مختلف المناطق التي دخلت تحت راية الدولة الناشئة.

وخلال تلك المرحلة شهد العلم بعض التطويرات في شكله، إذ أضيف إليه السيف في بعض التصاميم، ليعكس معاني القوة والعدل والدفاع عن الحق، وهو رمز ارتبط في الثقافة العربية بالإقدام والشجاعة وإقامة العدل.

اعتماد الشكل الحالي للعلم

وفي خطوة تاريخية مهمة، أقر الملك المؤسس الشكل المعتمد للعلم السعودي في 11 مارس 1937م الموافق 27 ذي الحجة 1355هـ، حيث أصبح يتكوّن من:

  • لون أخضر يرمز للنماء والازدهار.

  • عبارة التوحيد مكتوبة بخط عربي واضح: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

  • سيف عربي أفقي أسفل العبارة، يرمز إلى القوة والعدل وتطبيق الشريعة.

وقد أصبح هذا التاريخ لاحقًا مناسبة وطنية يُحتفى بها بوصفه يوم العلم السعودي، تخليدًا لاعتماد التصميم الذي لا يزال مرفوعًا حتى اليوم.

خصوصية العلم السعودي

يتميّز العلم السعودي بخصائص فريدة تميّزه عن أعلام العالم، أبرزها أنه يحمل الشهادتين، الأمر الذي يمنحه قدسية خاصة. ولهذا السبب لا يُنكّس في حالات الحداد، ولا يُطبع على المواد التي قد تمتهن أو تُلقى، احترامًا لما يحمله من مضمون ديني عظيم.

كما أن السيف المرسوم على العلم يتجه دائمًا إلى اليسار، في إشارة إلى القوة التي تحمي كلمة التوحيد وترسّخ قيم العدالة والاستقرار.

العلم.. رمز الدولة والهوية

على امتداد ثلاثة قرون ظل العلم السعودي حاضرًا في كل مراحل بناء الدولة، من مرحلة التأسيس الأولى إلى عصر النهضة والتنمية الحديثة. وقد بقيت دلالاته ثابتة رغم تغير الأزمنة: التوحيد عقيدة، والعدل منهج، والقوة لحماية الحق.

واليوم يرفرف العلم السعودي فوق مؤسسات الدولة وميادينها، وفي قلوب أبنائها، شاهدًا على تاريخٍ طويل من الوحدة والسيادة، وعلى مسيرة وطنٍ استطاع أن يحافظ على هويته الأصيلة وهو يمضي بثبات نحو المستقبل.

وهكذا يظل العلم السعودي أكثر من مجرد راية تُرفع، بل قصة وطنٍ وعقيدة أمةٍ ومسيرة ثلاثة قرون من المجد والسيادة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى