الرئيسية

عائلة مسلمة تحرس أقدس المقدسات المسيحية منذ 800 عام

Listen to this article

أحوال – عبد الله صالح الكناني

في القدس، يبدأ النهار بطقس لا يشبه سواه. عند باب خشبي ثقيل، يقف رجل مسنّ، يضع يده على مفتاحٍ ليس ملكه وحده، بل إرث مدينة كاملة. كل صباح، يؤدي وجيد نسيبة مهمته بروتينية صارمة: يفتح الباب، ويراقب الداخلين، يطلب من الزوار خلع القبعات، وضبط الملابس، وترك المشروبات خارجاً. لكن خلف هذه التفاصيل البسيطة، تكمن وظيفة أكثر حساسية: التوسط بين ست طوائف مسيحية تتقاسم الكنيسة وفق توازن هشّ، حيث يمكن لخلاف صغير أن يتحول إلى أزمة.

بهذا المشهد الاستهلالي، يقودنا الصحفي كريستيان فالتر في تقرير لموقع الإذاعة والتلفزيون العمومي السويسري إلى قلب قصة تتجاوز غرابتها الظاهرية: مسلم يتولى يوميًّا فتح كنيسة القيامة، أقدس موقع في الديانة المسيحية. ويوضح المفارقة، ليكشف أن ما يبدو استثناءً، هو في الحقيقة نظام دقيق نشأ لتفادي صراعات أعقد.

ويوضح التقرير أن هذا الدور هو جزء من سياق تاريخي عمره مئات السنين. فبعد استعادة مدينة القدس على يد صلاح الدين الأيوبي في القرن الثاني عشر، لم يكن التحدي فقط في السيطرة، بل في إدارة التنوع الديني. فالنزاعات بين الطوائف المسيحية دفعت إلى ابتكار حل غير تقليدي: تسليم مفاتيح الكنيسة لعائلة مسلمة، كطرف محايد يضمن عدم انحياز الباب لأي طرف. في المقابل، احتفظت عائلة مسلمة ثانية بالمفتاح، في ترتيب هدف إلى الحد من الخلافات، وترسيخ نوع من التوازن.

ويلخص الكاتب السياق التاريخي لهذه المدينة الدينية العتيقة باقتباس معبّر على لسان نسيبة: “في النهاية، لدينا جميعًا الإله نفسه، مسلمون ويهود ومسيحيون”.

هذه القصة الفريدة شكّلت محور فيلم وثائقي أنجزه المخرج النمساوي فلوريان هولرل، الذي اكتشفها مصادفة. ويوضح المخرج قائلًا: “كنت في القدس من أجل مشروع فيلم آخر، وعرفت بهذه القصة بالصدفة”. وأضاف: “عندما قيل لي إن لا أحد يريد الاستمرار في هذه المهمة، فكرت أنه يجب أن أُنجز فيلمًا عن هذه العائلة”.

تعلم هولرل الكثير خلال التصوير، إذ تقع الكنيسة في الحي المسيحي بالبلدة القديمة في القدس، التي احتلتها إسرائيل عام 1967، مع بقية القدس الشرقية، وضمتها إلى القدس الغربية عام 1980. لكن المجتمع الدولي لا يعترف بهذا الوضع، بل يعتبر القدس الشرقية عاصمة مستقبلية لدولة فلسطينية. وأشار المخرج إلى أن الرواية الفلسطينية تحظى بتغطية محدودة في الإعلام النمساوي. كما لفت إلى أن العديد من الفلسطينيين في القدس لا يحملون جنسية، ويواجهون أوضاعًا قانونية غير مستقرة.

وخلال التصوير في نوفمبر 2025، عايش فريق العمل أجواء متوترة. إذ كانت المنطقة تشهد هدنة هشة بين إسرائيل وإيران. وقال هولرل: “كان هناك توتر شديد في الأجواء”. لكنه أشار إلى أن فريقه تمكن من التعامل مع الوضع بفضل خبرته وتنوعه. إذ ضم مصورًا فلسطينيًا مسيحيًا، إلى جانب متعاون إعلامي إسرائيلي يهودي علماني. وهو ما ساعد، بحسب المخرج، على تجاوز مواقف معقدة.

وأوضح: “كانت هناك نقاشات متكررة مع عرب، أو مع الشرطة، أو مع يهود متدينين عند حائط المبكى”. وأضاف: “لكنهم كانوا يعرفون كيف يتحدثون مع كل طرف، وهذا ساعدني كثيرًا”.

ورغم التوترات، يرى هولرل أن القدس تظل مكانًا ذا خصوصية استثنائية. وقال: “إنها مدينة يمكن للمرء أن يشعر فيها بثقل التاريخ، وبالروحانية”.

لكنه أشار في المقابل إلى أن التعايش يواجه تحديات متزايدة. موضحًا أن “القوى المتطرفة تعرقل، على ما يبدو، فرص العيش المشترك”.

ويختم التقرير بالقول إنه رغم هذه التعقيدات، يواصل وجيد نسيبة مهمته اليومية بهدوء وثبات.. يفتح الباب كل صباح ويغلقه مساءً، فيما تبقى مسألة من سيخلفه مفتوحة، وسط تساؤلات حول مستقبل هذا التقليد الفريد.

المصدر: https://www.swissinfo.ch/ara/

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى