مقالات

بين الأرقام والبارود: هل يصمد الاتفاق الأمريكي–الإيراني أمام اختبار هرمز؟

Listen to this article

أ. صالح بن خميس الالزهراني

في عالم السياسة، قد تُوقَّع الاتفاقات بالحبر، لكنها لا تُختبر إلا بالأرقام والوقائع. ومن هذا المنطلق، يبدو الاتفاق الأمريكي–الإيراني أقل وضوحًا مما يُروَّج له، وأكثر هشاشة مما يظهر في ظاهره.

وتتجلى مؤشرات هذا الغموض في غياب تفاصيل حاسمة تتعلق بآليات التنفيذ والرقابة، إلى جانب عدم وجود ضمانات كافية لالتزام طويل الأمد من الطرفين. كما أن تباين التصريحات الرسمية، واختلاف تفسير بنود الاتفاق بين واشنطن وطهران، يعزز حالة الضبابية حول مآلاته الفعلية.

أما مؤشرات الهشاشة، فتبرز في قابلية الاتفاق للتأثر السريع بالتوترات الإقليمية، وارتباط استمراريته بحسابات سياسية متغيرة، فضلًا عن استثناء ملفات حساسة – كالصواريخ والنفوذ الإقليمي – من إطار المعالجة المباشرة. وهو ما يجعل الاتفاق، في نظر العديد من المحللين، أقرب إلى تهدئة مؤقتة أو إدارة أزمة، أكثر من كونه تسوية استراتيجية مستقرة.

ومع ذلك لنبدأ من الحقيقة الأهم: مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل عقدة الاقتصاد العالمي.
يمر عبره يوميًا نحو 20 مليون برميل نفط، أي ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية. هذه النسبة وحدها كفيلة بجعل أي تهديد للمضيق حدثًا عالميًا، لا إقليميًا.

لكن ما حدث في 2026 تجاوز التهديد إلى الفعل.
إغلاق المضيق خلال الأزمة الأخيرة أدى إلى تعطيل أكثر من 14 مليون برميل يوميًا من الإمدادات، وهو ما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه “أكبر اضطراب في تاريخ سوق النفط”.

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية:
إذا كان اتفاق واحد لم يمنع هذا السيناريو، فكيف سيمنع تكراره؟

المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية Fatih Birol قالها بوضوح:
“إعادة فتح مضيق هرمز يجب أن تتم دون شروط”،
وهو تصريح يحمل في طياته اعترافًا غير مباشر بأن المضيق أصبح أداة ضغط سياسي، لا مجرد ممر ملاحي.

أما اقتصاديًا، فقد كانت الصدمة فورية:

  • قفزت أسعار النفط بنسبة تصل إلى أكثر من 13% خلال أيام الأزمة 

  • صعدت أسعار البترول إلى أكثر من 80 دولارًا للبرميل مع استمرار التوتر.

  • وارتفعت تكاليف التأمين البحري على الناقلات إلى أكثر من 0.4% من قيمة الشحنة، أي مئات آلاف الدولارات للرحلة الواحدة 

هذه ليست أرقامًا عابرة.. بل مؤشرات على هشاشة السوق العالمية أمام قرار سياسي واحد.

صحيح أن الاتفاق الحالي يمنح إيران مكاسب اقتصادية مباشرة، من بينها إمكانية تصريف عشرات الملايين من براميل النفط المخزنة، إضافة إلى تخفيف العقوبات والإفراج عن أصول مالية.

لكن في المقابل، لا يفرض الاتفاق الأمريكي–الإيراني قيودًا حاسمة على ملفات بالغة الحساسية، مثل برنامج الصواريخ الباليستية أو النفوذ الإقليمي لإيران عبر أذرعها في المنطقة، بما في ذلك في اليمن ولبنان والعراق. وهو ما يجعل هذا الاتفاق – وفقًا لعدد من المحللين – أقرب إلى كونه «إدارة للأزمة» منه إلى حل جذري يعالج جذور التوتر.

ويعزز هذا التقييم استمرار نشاط تلك الأذرع، التي تمثل أدوات نفوذ ميدانية لإيران، حيث تظل قادرة على التأثير في أمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة، إضافة إلى دورها في تعقيد المشهدين السياسي والأمني في عدد من الدول العربية. الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى قدرة الاتفاق على تحقيق تهدئة مستدامة، في ظل غياب معالجة شاملة لهذه الملفات المحورية.

الأخطر من ذلك هو الملف النووي.
تاريخيًا، نص اتفاق 2015 على خفض التخصيب إلى 3.67% فقط، وهو مستوى مدني بحت.
أما اليوم، فقد وصلت إيران إلى مستويات تخصيب تصل إلى 60%، مع مخزون يُقدّر بنحو 460 كجم، وهو ما يكفي نظريًا لإنتاج عدة أسلحة نووية.

هذا التحول في الأرقام يغيّر كل شيء:
إذ لم تعد المسألة “منع الوصول”.. بل “إدارة ما تم الوصول إليه بالفعل”.

الخبير النووي David Albright يرى أن:
“إيران باتت على مسافة قصيرة تقنيًا من القدرة العسكرية”، وهو توصيف يعكس واقعًا جديدًا لم يكن قائمًا قبل سنوات.

في المقابل، يوضح قائد القيادة المركزية الأمريكية السابق Kenneth McKenzie Jr. أن:
“حرية الملاحة في هرمز خط أحمر عالمي”، ما يعني أن أي محاولة إغلاق مستقبلية لن تمر دون رد عسكري مباشر.

لكن السؤال الأكثر واقعية ليس: هل ستغلق إيران المضيق؟
بل: هل تحتاج إلى إغلاقه فعلًا؟

الإجابة، وفق خبراء أمن الطاقة، هي: لا.
إيران قادرة على التأثير دون الإغلاق الكامل، عبر:

  • تهديد الملاحة

  • احتجاز ناقلات

  • أو حتى زرع ألغام محدودة

وهو ما يكفي لرفع الأسعار عالميًا دون الوصول إلى مواجهة شاملة.

وهنا تتجلى المعادلة الأخطر:
التأثير بأقل تكلفة.. والضغط دون حرب.

على المدى المتوسط، تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يشهد السوق فائضًا يصل إلى أكثر من 5 ملايين برميل يوميًا بحلول 2027، مع زيادة الإنتاج العالمي.
لكن هذا السيناريو مرهون بشرط واحد: استقرار هرمز.

وفي حال غاب هذا الاستقرار، فإن كل التوقعات الاقتصادية ستتحول إلى مجرد أرقام على الورق.

في رأيي، الاتفاق الأمريكي–الإيراني الحالي لا يعالج جذور الأزمة، بل يؤجل انفجارها.
فالعلاقة بين الطرفين لا تزال قائمة على الردع، لا الثقة.. وعلى المصالح، لا الالتزام.

أما مضيق هرمز، فسيبقى نقطة الاختبار الحقيقية:
إذا استقر.. نجح الاتفاق مؤقتًا.
وإذا اهتز.. سيسقط كل شيء معه.

وفي هذا تشير تقارير صادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) إلى أن أي اتفاق ناجح يجب أن يقوم على ثلاثة محاور رئيسية:

  1. الرقابة النووية الصارمة: عودة التفتيش الكامل على المنشآت النووية الإيرانية.

  2. تقييد تخصيب اليورانيوم: خفض نسب التخصيب إلى ما دون 3.67%، مقارنة بمستويات تجاوزت 60% في بعض الفترات.

  3. رفع تدريجي للعقوبات: خاصة تلك المتعلقة بقطاع النفط، والذي يمثل نحو 70% من صادرات إيران.

والخلاصة التي تفرضها الأرقام قبل السياسة:
العالم لا يواجه أزمة اتفاق.. بل أزمة ضمانات.


  •  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى