الحج
يوم التروية.. الحجاج يتوافدون إلى منى تقرّبًا لله

أحوال – برد صالح الكناني
مع إشراقة صباح اليوم الثامن من شهر ذي الحجة لعام 1447هـ، الموافق ليوم التروية، بدأ حجاج بيت الله الحرام التوافد إلى مشعر منى، في مشهد إيماني مهيب يجسّد روحانية هذا الركن العظيم من أركان الإسلام. وقد توافد الحجاج منذ ساعات الصباح الأولى قاصدين هذا المشعر المبارك لقضاء يوم التروية، تقرّبًا إلى الله تعالى، وابتغاءً لرضوانه، وطمعًا في مغفرته وقبول أعمالهم.
ويحرص ضيوف الرحمن في هذا اليوم على الاقتداء بسنة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، حيث يمكثون في منى ملبين مكثرين من ذكر الله، ومجتهدين في الطاعات من صلاةٍ ودعاءٍ وقراءةٍ للقرآن، استعدادًا للوقوف بعرفة، الركن الأعظم من مناسك الحج. وتتعالى في أرجاء المشعر أصوات التلبية والتكبير والتسبيح، في لوحة إيمانية تتناغم فيها القلوب قبل الألسنة، وتفيض فيها المشاعر بالخشوع والسكينة.
في ظل منظومة تنظيمية متكاملة وخدمات متقدمة، تهدف إلى تسهيل حركة الحجاج وضمان راحتهم وأمنهم، ليؤدوا مناسكهم بكل يُسر وطمأنينة، في أجواء إيمانية عامرة تعكس عظمة هذه الشعيرة المباركة ومكانتها في نفوس المسلمين.
وتؤكد الشريعة الإسلامية أن توجه الحجاج -سواء كانوا قارنين أو مفردين- إلى منى يوم التروية والمبيت فيها قبل الوقوف بعرفة يُعد سنة مؤكدة.
أما الحجاج المتمتعون، فيُحرمون من أماكن إقامتهم داخل مكة أو خارجها، ويقيم الجميع في منى حتى طلوع شمس التاسع من ذي الحجة، ليتوجهوا بعدها إلى عرفات لأداء الوقفة الكبرى، ثم يعودون إلى منى بعد النفرة من عرفة والمبيت بمزدلفة؛ لقضاء أيام التشريق (10، 11، 12، 13) ورمي الجمرات الثلاث، ما لم يتعجلوا، امتثالًا لقوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ).
ويقع مشعر منى بين مكة المكرمة ومزدلفة على مسافة سبعة كيلومترات شمال شرق المسجد الحرام، ويُعد جزءًا من الحرم المكي، تحيط به الجبال من جهتيه الشمالية والجنوبية، ولا يُسكن إلا في موسم الحج، ويحده من جهة مكة جمرة العقبة، ومن جهة مزدلفة وادي “محسر”.
ويتمتع مشعر منى بمكانة تاريخية ودينية رفيعة؛ ففيه رمى نبي الله إبراهيم -عليه السلام- الجمار، وذبح فدي إسماعيل -عليه السلام-، وهي سنة أكدها النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع، فصار المسلمون يقتدون به في رمي الجمرات وذبح الهدي والحلق.
ومن معالم منى التاريخية الشواخص الثلاث التي تُرمى، ومسجد “الخيف” الذي استمد اسمه من موقعه المنحدر عن غلظ الجبل والمرتفع عن مسيل الماء، إذ يقع المسجد على السفح الجنوبي من جبل منى بالقرب من الجمرة الصغرى، وقد صلى فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- والأنبياء من قبله، ولا يزال قائمًا حتى اليوم، حيث شهد توسعات وعمارة شاملة في عام 1407هـ.
كما شهدت منى أحداثًا تاريخية بارزة، منها بيعتا العقبة الأولى والثانية؛ حيث بايع النبي -صلى الله عليه وسلم- 12 رجلًا من الأوس والخزرج في السنة الثانية عشرة من البعثة، تلتها البيعة الثانية في العام التالي بمبايعة 73 رجلًا وامرأتين من أهل المدينة المنورة في الموقع نفسه شمال شرق جمرة العقبة. وإحياءً لهذه الذكرى التي عاهد فيها الأنصار رسول الله على نصرته وحمايته، بنى الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور “مسجد البيعة” عام 144هـ بأسفل جبل “ثبير”، فيما شهدت منى نزول سورة “المرسلات” على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في غارٍ بها.
وتولي الحكومة الرشيدة عناية فائقة بمشعر منى، إدراكًا منها لأهمية هذه الفترة في رحلة الحج، وحرصًا على توفير جميع المتطلبات التي تضمن راحة ضيوف الرحمن.
وسخّرت القيادة الرشيدة -أيدها الله- جميه الخدمات الأمنية والطبية والتموينية ووسائل النقل لتسهيل أداء المناسك في أجواء من الطمأنينة والروحانية، مع توجيه الجهات الحكومية والخدمية كافة للعمل بجد وإخلاص لإنجاح موسم الحج.
ومع بدء يوم التروية بحسب الجزيرة نت، تتجلى في مكة المكرمة واحدة من أضخم عمليات التنظيم الموسمي عالميا، حيث تتحول مِنى إلى مدينة متكاملة البنية والخدمات خلال زمن قياسي، تستوعب أكثر من مليونين من ضيوف الرحمن ضمن منظومة تشغيلية محكمة تؤمّن أداء المناسك بسلاسة وطمأنينة.
وقد أعلنت وزارة الحج والعمرة السعودية اكتمال جاهزيتها ليوم التروية لتنظيم تصعيد الحجاج إلى مِنى، ومتابعة جودة الخدمات المقدمة لهم بالتنسيق مع مختلف الجهات المعنية.




