مقالات
فروع جامعات المحافظات: مدخل تنموي لتوازن التنمية والنهضة التعليمية

أ. صالح خميس الكناني
يُمثل تطوير التعليم خياراً استراتيجياً ومحورياً لكل أمة تُدرك مفاتيح النهضة والتقدم؛ فالتعليم هو المحرك الأساس لحركة التطور والتحديث في شتى المجتمعات، بل إنه يجسد الغاية العليا والدعامة الأساسية التي اعتمدت عليها الدول المتقدمة في ترسيخ مكانتها وصياغة ريادتها الحالية، مثلما يُشكل الهدف والغاية الأسمى لكافة الدول الساعية إلى التحول والنمو.
ومن هذا المنطلق الراسخ، يتجسد تطوير منظومة التعليم كمسؤولية وطنية وهدف استراتيجي يُفترض أن يقع في صدارة أولويات المسؤول الأول عن جهاز التعليم في أي دولة. إن إحراز التقدم الملموس وتحقيق الرؤى التعليمية هو المعيار الحقيقي لنجاح القيادة التنفيذية، حيث يُشكل الإخفاق في تحقيق هذه التطلعات تحدياً يتطلب المراجعة والمساءلة الإدارية الدقيقة لحماية قدرات الوطن ومكتسباته.
وإذا ما استلهمنا التجارب العالمية المتفوقة بكل موضوعية وإيضاح، نجد أن الدول التي تربعت على منصات الريادة التعليمية دولياً حوّلت مقوماتها ومواردها نحو بناء الإنسان. وتأتي اليابان في مقدمة تلك النماذج؛ إذ ارتكزت على استراتيجية تعليمية صارمة ومتقدمة كانت هي الحجر الأساس لنهضتها الصناعية والتكنولوجية الفريدة. كما تبرز تجربة سنغافورة في النصف الثاني من القرن الماضي، حين قاد مسؤولوها عملية تحول شاملة قامت على التوسع في التعليم العالي المتخصص، ورعاية الكوادر وتأهيلها وفق معايير الجودة والاستثمار في القدرات البشرية؛ حيث لم يُقتصر المسار التعليمي على برامج قصيرة المدى تدفع بالخريجين نحو سداد الفجوات مؤقتاً أو التعثر في سوق العمل، بل امتُد التخطيط لربط التأهيل بالصناعة والتطوير المستدام لتتحول القوى البشرية إلى محركات نماء وإنتاج.
وفي المشهد المحلي، لا يُقلل هذا الطرح إطلاقاً مما وصل إليه التعليم السعودي بمختلف مراحله من قفزات وتطور ملموس، حتى وإن كانت التطلعات تتجاوز ما تحقق نحو المنافسة الصريحة ضمن مراكز الصدارة في مؤشرات التعليم العالمية (Top 10). فالمرتكزات الوطنية قوية، وتستند إلى تاريخ من المبادرات النوعية؛ وفي مقدمتها النقلة التعليمية التاريخية التي قادها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز (رحمه الله)، حين سبق عصره بجعل التعليم ركيزة أساسية من ركائز التنمية المستدامة في المملكة، وهي التجربة التي فتحت آفاقاً واسعة للعديد من الدراسات العلمية الاستقصائية حول كيفية تحويل التعليم إلى أداة تنموية مستدامة.
وانطلاقاً من هذا المفهوم التنموي – وهو ما سبق أن تناولته في موضوع نُشر بهذه الصحيفة تحت عنوان: “معالي وزير التعليم.. فروع جامعة الباحة بالمحافظات قرار ينتظره المكان والإنسان” [https://ahwal.sa/archives/226582] وما أعتقد ان مصيرة سلة المهملات بدليل لم نجد رد أو توضيح للأستمرار بما أقدمت عليه الوزارة -، وفي ظل العهد السلماني الزاهر، يمتلك معالي وزير التعليم فرصة استلهام هذه الرؤية وترجمتها إلى خطة عمل طويلة المدى لتطوير المكان والسكان في المحافظات، واستعادة من هجروا قراهم بحثاً عن جامعات تستوعب أبناءهم. ويتجلى هذا التوجه الاستراتيجي بالتمعن في تأكيد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود (حفظه الله) حين قال:
إن التعليم في المملكة العربية السعودية هو ركيزة أساسية تتحقق بها تطلعات شعوب أمتنا نحو التقدم والازدهار. وإن الاستثمار في الإنسان وتأهيله بالعلوم والمعارف هو الهدف الأسمى الذي قامت عليه رؤيتنا التنموية، لمواكبة التطورات العالمية وبناء مستقبل واعد لأبناء هذا الوطن.
وتكتمل هذه الرؤية السامية بكلمات صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حين أكد قاطعا:
سيكون هدفنا أن يحصل كل سعودي -أينما كان- على فرص التعليم الجيد، وفق خيارات متنوعة، وسيكون تركيزنا أكبر على مراحل التعليم المبكر.
إن قراءة تأكيد سموه على عبارة «أينما كان» تعني بوضوح توفير منظومة تعليمية متكاملة تضمن وصول المواطن إلى التعليم العالي بتخصصاته ودرجاته العلمية في موطنه ومحافظته. فالقيادة الرشيدة تؤكد على الاستثمار الأمثل في المواطن، ولا يتأتى ذلك إلا بتسليحه بالعلوم والتخصصات الحديثة؛ انسجاماً مع طموح سمو ولي العهد:
طموحنا أن نبني وطناً أكثر ازدهاراً، يجد فيه كل مواطن ما يتمناه، فمستقبل وطننا الذي نبنيه معاً لن نقبل إلا أن نجعله في مقدمة دول العالم.
ومن هذا المنطلق، يُوجَّه الخطاب إلى معالي وزير التعليم لاستشراف بل واستلهام توجه رائدَي التعليم: الملك وسمو ولي عهده، لاستئناف وتطوير المسارات الأكاديمية لفروع الجامعات بالمحافظات، وإعادة التحول الاستراتيجي من الاقتصار على برامج «الدبلوم» إلى إنشاء “فروع تخصصية متكاملة تمنح درجة البكالوريوس”، مع الإبقاء على مسار الدبلومات للراغبين في الالتحاق بها.
ونطمح أن تشتمل هذه الفروع على تخصصات نوعية تخدم بيئة المحافظات؛ ك الذكاء الاصطناعي، والعلوم البيئية والزراعية، والاجتماعية، ليكون لهذه الفروع دور حاسم في إحياء البيئة المحلية، واستزراع الجبال والأودية، وحماية الموارد الطبيعية والحيوانية..، وتحويل البيئات الرعوية إلى مراكز أبحاث علمية بسواعد وطنية.
إن تحقيق هذا التوجه ينطوي على أبعاد تنموية واجتماعية واقتصادية بالغة الأهمية:
-
استعادة التوازن الديموغرافي: يُسهم توفير تعليم جامعي مكتمل (بكالوريوس) في المحافظات في الحد من الهجرة العكسية نحو المدن الكبرى، واستعادة المحافظات لسكانها، مما يضمن توزيعاً سكانياً واقتصادياً متوازناً.
-
ربط الإنسان بأرضه: يُعيد هذا التوجه استثمار المقومات المحلية لكل محافظة، ويمنح أبناءها الفرصة للمساهمة المباشرة في تنمية بيئاتهم الإقليمية، وتحويل تلك المناطق إلى حواضن إنتاجية وعلمية واواعدة.
-
تحقيق التنمية الإقليمية المستدامة: إن وجود فروع جامعية متكاملة يرفد القطاعات الخدمية والصناعية في المحافظات بجهات بحثية وكوادر مؤهلة، مما يخدم مستهدفات الرؤية التنموية الشاملة للوطن.



