تصدمنا الحياة الاجتماعية بمن لا يجد في ذاته القدرة على التعايش مع غيره، لأنه يرى نفسه الأوحد في المعرفة، فيبيح لنفسه أن يقول ما يريد من غير أن يحسب لنفسه حساباً أو يضع لذاته ميزاناً في تصرفه مع مجتمعه. لذلك يبرز أدب التغافل مسلكاً راشداً يحفظ الودّ ويمنع الزلل.
أدب التغافل من الهدي النبوي
والتغافل كما أجده فيما كنت اسمع خالي شقيق والدتي رحمهما الله جمعان حسن المقري وهو يردد قول: صَبورٌ على الزَّهْدا وَعَلْجوعِ وَالظَّمَا.. صَبورٌ على زَلاَّتِ كُلِّ حَقُورِ.. هنا أدركت ما كان يصل إليه خالي، وهو يردد هذا البيت بين وقت وآخر، خاصة عندما يعقد ما يشبه اجتماعاً لرجال القرية إذا ثار بين اثنين ما خصومة، وعادة ما تنتهي بالصلح خلال ساعتين وربما أقل.. وهنا أجد خالي يتغافل، وكأنه يعلّمنا أدب التغافل.
لكنني أجد في تغافل الكبار عن تصرفات الجاهل ما يبث سحائب وعي قد يبرر تجهيل من لا يرتقي بنفسه عن الوقوع في الزلل تجاه الآخرين. بالإضافة إلى ذلك، أدب التغافل من الهدي النبوي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، إذا بلغَه عن الرجلِ الشيءَ ، لم يقل: ما بالُ فلانٍ يقولُ ، ولكن يقولُ: ما بالُ أقوامٍ يقولون كذا وكذا.
وصدق من قال: التغافل أدب عظيم وخلق شريف تأدب به الحكماء، ونوّه بفضله العلماء. والتغافل دليل الفطنة والكياسة والنباهة والدماثة. فبعض الناس يرمون المتغافل بالسذاجة لما يرون من تغاضيه عن الزلات والسلبيات، ويظنونه ضعفاً، ولا يدرون أنه رأس الحكمة وقمة الذكاء ودليل التوفيق.
قال الشافعي: الكيّس العاقل هو الفطن المتغافل. والتغافل دليل قوي على حسن خلق صاحبه؛ كما قال معاوية رضي الله عنه: العقل مكيال، ثلثه الفطنة وثلثاه التغافل. وقال الإمام أحمد رحمه الله: تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل. وكيف لا؟ ومن أعظم فوائد التغافل أنه يكسب صاحبه راحة في نفسه، لأن الذي يقف عند كل كلمة ويرد على كل خطأ ويحاسب على كل صغيرة وكبيرة تتكدر حياته وينفر من حوله من يظن التغافل سذاجة.
التغافل رأس الحكمة وقمة الذكاء. بناءً على ذلك أوجّه دعوة إلى القلوب الفطنة والعقول النيرة أن يتلبس كل منهم رداء التغافل ليستمتع بعائد الغفلة عن الإنسان الحقود والحسود. في المقابل، ماذا يعود على من يتلفظ صوتاً أو همساً أو إشارة بمن يفوقه في العقل والتعقل والمكانة الاجتماعية.
ماذا بقي إلا أن أقول إن التغافل نعمة من الله يسبغها على كبار العقول، وهم يستلهمون تفاوت الأعمار مع الثقافة الاجتماعية بما فيها من وجوب التعايش حتى مع غير الأسوياء.. فليس أفضل من حسبنا الله ونعم الوكيل.