مقالات

الضيف المكروه

Listen to this article

عميد طيار م/ عبد الله بن مرضي الزهراني

في الوقت الذي عاب النقاد على أبي الطيب تكراره للكمة الواحدة في بيته المشهور عن الشيب بقي الجميع يردده على مرّ العصور .
يقول أبو الطيب :
ضيف ألمّ برأسي غير محتشمِ
والسيف أهون فعلا منه باللّممِ
أبْعِد بَعِدْتَ بياضا لا بياض له
لأنت أسود في عيني من الظُّلُمِ
الضيف هذا المكروه كما هو واضح هو الشيب الذي المّ برأس المتنبي، وهو ضيف غير مؤدب ولا محتشم، وقد كان نزوله ضيفا على رأس المتنبي أصعب من تقطيع السيف للأشياء الملتمة التي يسهل تقطيعها!
ثم يُصَعِّد الموقف أبو الطيب ليطلب من هذا الضيف الذي تلبّس بالبياض في هيئته ولم يكن كذلك في جوهره (بياض لابياض له ) وهو ماعابه النقاد على الشاعر . يطلب منه أن يبتعد ولا يكتفي بذلك بل يدعو عليه بأن يبعده الله ، أبعد بعدت.
لايوجد لون أكثر سوادا من الظلام إلا في عين مولانا أبي الطيب فالشيب الأبيض الذي لايراه أبيضا لابياض له فقط، بل أنّ سواد هذا البياض في عينه لامثيل له على الأطلاق.
ولننتقل من تعقيد ألفاظ بيتي أبي الطبيب التي جاءت نتيجة لما اعتراه من إلمام هذا الضيف الثقيل برأسه في غير حشمة ولا وقار كما نراه نحن. لنأتي إلى شاعرنا ( المرحوم بإذن الله ) حوقان المالكي:
يقول:
حسبي عليك الله ياشيبي فضحتاني
ماعاد بي غير ياهلي فيكم الذمة
وكل يوم وعمري في تخيطاله!
أكاد أجزم أن حوقان- رحمه الله – لم يكن يقصد الشيب لا من بعيد ولا من قريب، كما كان يقصده المتنبي، إلا أننا هنا معنيون بالظاهر من النّص، فنرى أن الشاعر اعتبره نوعا من أنواع الفضائح التي تكشف ماكان مستورا رغم إعتراف الشاعر بأن عمره قد تغير وبدأ ينذره بالوهن والخطل مما دعاه ان يتودّع من أهله ويقول (فيكم الذّمة).
وقبل عدة أيام كتب أحد أساطين هذا الموقع موضوعا نال استحسان الجميع، فما كان من أحد الزملاء المتابعين إلا أن أثنى عليه وقال: ((بيّض الله وجهك ))، وكلنا نعرف أن هذه عبارة تستعمل للدعاء لصاحب الشأن بأن يكرمه الله ويعلي شأنه ويجعله من أهل الوجوه البيض. قال تعالى:((يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه)). إلا أن كاتنبنا رد برد لاتنقصه خِفّة الدم ولا يعوزه الأسلوب المؤدب فقال: “في وجهي من البياض مايكفي”.
والحقيقة أننا نشارك كاتبنا هذا في الخوف من هذا البياض ونحاول التهرب منه. وقد تختلف طريقة إنكارنا له ودعاؤنا عليه ومحاولة إخفاءه من الأسلوب القوي المقاتل كما رأينا عند المتنبي أو التشكي إلى الله وإعلان الأستسلام وإبراء الذّمة كما عند حوقان أو التلميح بعبارة ذكية ذات غرض لايخفى على اللبيب كما جاء من أستاذنا المحبوب.

فلماذا نشترك كلنا في هذا الهم ياترى؟؟
الأجابة تبقى عند المتابعين الأوفياء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى