المجتمع

لغة الحوار بين إنصات العيون وتعصّب الذات

حين تتكلم العيون وتصمت الحقيقة أمام تعصّب الذات

Listen to this article

لغة الحوار.. لماذا نسمع لنرد ولا نسمع لنفهم؟

أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني

يجلس اثنان لمناقشة مشكلة، فيخرجان منها بمشكلتين: الأولى هي القضية التي جمعتهما، والثانية ما قاله كل واحد منهما للآخر أثناء النقاش.

الحوار ليس تبادلًا للكلمات فحسب، بل قدرة على فهم ما وراءها. غير أن كثيرًا من النقاشات تبدأ برغبة كل طرف في إثبات أنه المصيب، لا في الوصول إلى الحقيقة. ترتفع الأصوات، وتُستدعى أخطاء قديمة، ويتحول الاختلاف من مناقشة فكرة إلى محاكمة صاحبها.

وللحوار لغتان: لغة تنطق بها الشفاه، ولغة تكشفها العيون. قد يقول الإنسان: «أنا أستمع إليك»، بينما تعلن نظراته الضيق أو السخرية أو انتظار اللحظة التي يقاطع فيها. الكلمات تنقل الرأي، أما العينان فتكشفان موقف صاحبه من المتحدث؛ اهتمامًا أو نفورًا، قبولًا أو استعلاءً. ولهذا قد تفتح نظرة مطمئنة بابًا أغلقته عبارات كثيرة، وقد تهدم نظرة احتقار حوارًا بدأ بأجمل الكلمات.

في الأسرة قد يصمت أحد الزوجين لأن كل محاولة للحديث تنتهي باتهام. وفي العمل قد يمتنع الموظف عن إبداء رأيه خوفًا من أن يُفهم اعتراضه تمردًا. وحتى في الفضاء العام أصبحت العبارة المقتطعة أسرع انتشارًا من الفكرة المكتملة، وأصبح التصنيف أسهل من الإنصات.

لغة الحوار الناجح لا تشترط اتفاق الطرفين، لكنها تلزمهما بالاحترام. تبدأ بالسؤال قبل الحكم، وبفصل الرأي عن صاحبه، وبمنح الآخر فرصة لإكمال كلامه.

وهنا يظهر الفرق بين تقبّل الحقيقة والتعصب للذات. من يبحث عن الحقيقة يستطيع أن يقول: «كنت مخطئًا»، أما المتعصب لذاته فيعدّ التراجع هزيمة، فيدافع عن رأيه بعد أن تسقط حجته. الأول يريد أن يصل، والثاني يريد أن ينتصر، ولو خسر الحقيقة ومن أمامه.

نحن لا نفتقد الكلمات، بل نفتقد أحيانًا الطريقة التي تحفظ بها الكلمات كرامة الآخر. فالحوار الذي ينتهي بانتصار شخص وانكسار آخر لم يحل المشكلة؛ إنما أخفاها تحت جرح جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى