طبيب موظف على الورق… ومستثمر من الباطن
عقد براتب رسمي واتفاق خفي لتشغيل العيادة بالنسبة؛ فهل تتحول المنشأة الصحية إلى غطاء لنشاط مستقل؟
أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني
تظهر في بعض المنشآت الصحية الخاصة ممارسة تحتاج إلى رقابة دقيقة: يُسجَّل الطبيب رسميًا موظفًا لدى المستشفى أو المجمع الطبي بعقد وراتب محدد، بينما توجد بينه وبين المالك اتفاقية أخرى غير معلنة، تمنحه تشغيل العيادة لحسابه مقابل نسبة من الإيرادات تُدفع للمالك.
في هذه الصورة لا نتحدث عن مكافأة إنتاج عادية تضاف إلى راتب الطبيب، وإنما عن طبيب يبدو في السجلات موظفًا، لكنه يتصرف عمليًا كمستثمر مستتر داخل المنشأة: يدير العيادة، ويستفيد من دخلها، ويتحمل بعض مصروفاتها، ويمنح المالك نسبة مقابل المكان والترخيص والاسم التجاري.
متى تكون النسبة نظامية؟
يعترف نظام العمل السعودي بالعمولة أو النسبة من المبيعات أو الأرباح باعتبارها جزءًا من الأجر الفعلي، ولذلك قد يكون منح الطبيب راتبًا إضافة إلى نسبة أمرًا مشروعًا إذا كانت النسبة:
* مثبتة في عقد العمل أو لائحة تنظيم المنشأة.
* مصروفة من حساب المنشأة ومسجلة ماليًا.
* خاضعة للأنظمة العمالية والضريبية والتأمينية.
* لا تمنح الطبيب استقلالًا في تشغيل العيادة.
* لا تحفزه على طلب فحوص أو إجراءات غير ضرورية.
* لا تعفي المنشأة من مسؤوليتها عن المرضى والخدمات.
وبذلك يبقى الطبيب موظفًا يعمل تحت إدارة المنشأة وإشرافها، وتكون النسبة حافزًا وظيفيًا معلنًا، لا مقابلًا لتأجير العيادة.
متى تتحول إلى تشغيل مستتر؟
تظهر شبهة التشغيل من الباطن عندما يكون العقد الرسمي مجرد غطاء، بينما الواقع مختلف؛ ومن أبرز المؤشرات:
* أن يتكفل الطبيب بمصاريف العيادة أو طاقمها.
* أن يحدد الأسعار والخدمات من تلقاء نفسه.
* أن يستوفي الإيرادات أو يتحكم فيها.
* أن يتحمل الأرباح والخسائر كأنه مالك للعيادة.
* أن يدفع للمالك نسبة مقابل استخدام الترخيص والمكان.
* أن يختار العاملين أو يشتري المستلزمات لحسابه.
* أن تُصرف حصته خارج مسيرات الرواتب والحسابات الرسمية.
* أن تتنصل المنشأة من شكاوى المرضى وتصف العيادة بأنها تابعة للطبيب.
* أن تختلف البيانات المسجلة في العقد عن حقيقة العلاقة المالية والتشغيلية.
العبرة هنا ليست باسم الاتفاق، بل بحقيقته: هل الطبيب موظف يتقاضى حافزًا، أم أنه يدير نشاطًا صحيًا لحسابه مستخدمًا ترخيص المنشأة؟
هل يعد ذلك تسترًا تجاريًا؟
إذا كان الطبيب غير سعودي وثبت أنه يمارس النشاط الصحي لحسابه الخاص مستخدمًا ترخيص المنشأة، مع تمكين المالك له مقابل نسبة، فقد تنشأ شبهة تستر وفق نظام مكافحة التستر.
فالنظام يعرّف التستر بأنه ترتيب يمكّن غير السعودي من ممارسة نشاط اقتصادي غير مرخص له بممارسته لحسابه الخاص باستخدام ترخيص أو اسم شخص آخر. كما تعد السيطرة المستقلة على الإيرادات والحسابات والصلاحيات التشغيلية من المؤشرات التي تستدعي التحقيق.
أما إذا كان الطبيب سعوديًا، فلا ينطبق عليه تعريف التستر التجاري المرتبط بتمكين غير السعودي، لكن الاتفاق الخفي قد يظل محل مخالفات صحية أو عمالية أو مالية وضريبية، بحسب طبيعة العلاقة وطريقة التحصيل والتسجيل.
ولا يصح وصف حالة محددة بأنها جريمة تستر إلا بعد فحص العقود والحسابات والصلاحيات الفعلية وصدور قرار من الجهات المختصة.
الخطر لا يقتصر على المال
عندما يرتبط دخل الطبيب مباشرة بما تحققه العيادة، ويصبح مشغلًا لها لحسابه، فقد تنشأ ضغوط مالية تؤثر في القرار الطبي، مثل:
* زيادة عدد المراجعات والإجراءات.
* طلب تحاليل أو صور طبية بلا حاجة كافية.
* تفضيل الخدمات الأعلى سعرًا.
* استبقاء المريض داخل المنشأة.
* توجيه المرضى إلى مختبر أو صيدلية مرتبطة بالمصلحة المالية.
* تقليل عدد العاملين أو المستلزمات لزيادة الربح.
ويلزم نظام مزاولة المهن الصحية الممارس بالابتعاد عن الاستغلال، ويحظر عليه أخذ منفعة مقابل توجيه المرضى إلى صيدلية أو مستشفى أو مختبر معين.
المالك لا يستطيع التخلي عن المسؤولية
ترخيص المنشأة الصحية ليس غطاءً لتأجير العيادات سرًا، بل مسؤولية عن كل ما يحدث داخلها. وتبقى المنشأة مسؤولة عن:
* ترخيص الطبيب وتسجيله ضمن كوادرها.
* الإشراف الفني والطبي الحقيقي.
* اعتماد صلاحيات الطبيب المهنية.
* ملفات المرضى وخصوصيتهم.
* الأسعار والفواتير والتحصيل.
* مكافحة العدوى وسلامة الأجهزة.
* التأمين ضد الأخطاء المهنية.
* استقبال الشكاوى ومتابعة المضاعفات.
* سلامة الوصفات والتحاليل والإجراءات.
كما أن للمريض الحق في معرفة السعر مقدمًا، والحصول على فاتورة دقيقة باسم المنشأة توضح الخدمة وتكلفتها.
ماذا على الجهات الرقابية؟
تحتاج وزارة الصحة ووزارة الموارد البشرية ووزارة التجارة وهيئة الزكاة والضريبة والجهات التأمينية إلى رقابة مشتركة تشمل:
1. مطابقة عقد الطبيب المسجل مع التحويلات المالية الفعلية.
2. فحص مصدر الإيرادات والجهة التي تستوفيها.
3. مراجعة نسبة الطبيب والتحقق من توثيقها ضمن أجره.
4. التحقق ممن يحدد الأسعار ويتحمل المصاريف والخسائر.
5. مطابقة الفواتير والمطالبات التأمينية بالملفات الطبية.
6. رصد الزيادة غير المبررة في الفحوص والإجراءات.
7. سؤال العاملين عن المسؤول الفعلي عن العيادة.
8. التحقق من استخدام الحسابات الشخصية في التحصيل.
9. إحالة شبهة التستر إلى وزارة التجارة إذا كان المشغل المستقل غير سعودي.
10. معاقبة المنشأة التي تقدم عقدًا رسميًا يخالف حقيقة التشغيل.
مبادرة «الإفصاح عن عقود النسبة الطبية»
يقترح التقرير إلزام المنشآت الصحية بالإفصاح الإلكتروني عن أي أجر أو حافز مرتبط بإيرادات الطبيب، وربطه بعقده المهني والفواتير ومسيرات الأجور، مع منع أي اتفاق جانبي غير مسجل.
كما يقترح إنشاء سجل رقابي موحد يربط بين عقد الطبيب وترخيصه وساعات عمله ومسير راتبه والفواتير الصادرة عن عيادته والمطالبات التأمينية، بما يتيح اكتشاف أي اختلاف بين العلاقة الرسمية وحقيقة التشغيل.
فالنسبة المعلنة والموثقة قد تكون حافزًا وظيفيًا مشروعًا، أما الراتب المسجل الذي يخفي وراءه عيادة تعمل لحساب الطبيب مقابل حصة للمالك، فهو ترتيب يستحق التحقيق؛ لأن المريض يجب ألا يتلقى علاجه داخل نشاط صحي له واجهة رسمية وإدارة خفية.
المشكلة ليست في كلمة «نسبة»، بل في أن يكون الطبيب موظفًا أمام الجهات الرسمية، ومالكًا فعليًا للعيادة خلف الأبواب.
المصادر
نظام المؤسسات الصحية الخاصة:
https://laws.boe.gov.sa/BoeLaws/Laws/LawDetails/64e307c5-ac8c-49d8-9174-a9a700f285a0/1
نظام مزاولة المهن الصحية:
https://laws.boe.gov.sa/BoeLaws/Laws/LawDetails/f1de206c-eef4-4a76-904a-a9a700f2899a/1
نظام العمل:
https://laws.boe.gov.sa/BoeLaws/Laws/LawDetails/08381293-6388-48e2-8ad2-a9a700f2aa94/1
حقوق المريض في المؤسسات الصحية الخاصة:
https://www.moh.gov.sa/HealthAwareness/Rights/Pages/26.aspx
وزارة الصحة:
https://www.moh.gov.sa
وزارة التجارة:
https://mc.gov.sa








