تقرير

إبن بطوطه السعودي 🇸🇦

إبن بطوطه السعودي 🇸🇦
Listen to this article

ابن بطوطة السعودي… حين يحمل الطموح جناحين

من الرياض إلى تخوم المحيط المتجمد الشمالي… مشعل السديري يقدم صورةً مشرّفة لطموح السعوديين ورسالةً تؤكد أن العمر لا يقف أمام الأحلام

أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني

ليست كل رحلة انتقالًا من مكان إلى آخر؛ فبعض الرحلات تعيد تعريف الإنسان أمام نفسه، وتكشف أن الأحلام المؤجلة لا تموت، وأن العمر لا يغلق أبواب الطموح ما دام العقل حاضرًا، والإرادة حية، والاستعداد يسبق المغامرة.

في مادة مرئية تمتد نحو 19 دقيقة، يوثق الطيار والرحالة السعودي الكابتن مشعل بن فهد السديري رحلة جوية انطلقت من الرياض باتجاه الشمال الغربي، عابرةً البحار والقارات والمناخات المتباينة، حتى وصلت إلى تخوم المحيط المتجمد الشمالي.

من صحراء الرياض إلى جبال أوروبا، ومن غرينلاند المغطاة بالجليد إلى كندا والولايات المتحدة وألاسكا؛ تحولت الطائرة الصغيرة إلى وسيلة لاكتشاف العالم، وتحول الطيار السعودي إلى رحالة حديث يكتب يومياته فوق السحاب.

رحلة تعكس تحولات الإنسان السعودي

لا تُقرأ تجربة السديري بوصفها مغامرة فردية فقط، بل بوصفها امتدادًا للتحول الفكري والمعرفي الذي يعيشه المجتمع السعودي.

فالسعودي اليوم لم يعد حاضرًا في العالم متلقيًا للتجارب أو مستهلكًا للمعرفة، وإنما أصبح صانعًا للإنجاز، ومبادرًا، ومستكشفًا، ومنافسًا في ميادين الطيران والفضاء والعلوم والرياضة والتقنية وريادة الأعمال والمغامرات الدولية.

لقد أسهمت مرحلة التحول الوطني في صناعة جيل أكثر ثقة بقدراته، وأوسع إدراكًا لقيمة العلم والتخطيط، وأكثر استعدادًا لتجربة الجديد. ولم يعد الطموح السعودي محصورًا في وظيفة أو حدود جغرافية، بل أصبح سؤالًا مفتوحًا: ماذا نستطيع أن نقدم إلى وطننا والعالم؟

ورحلة مشعل السديري واحدة من الإجابات العملية عن هذا السؤال.

من الرياض إلى أقصى الشمال

تكشف مشاهد الرحلة عن مسار طويل تدرج من البيئة الصحراوية السعودية إلى السواحل والمضائق والمدن الأوروبية، ثم إلى المناطق الثلجية والجزر الشمالية.

وظهرت في المادة أسماء عدد من المواقع والمحطات، من بينها مضيق البوسفور، وأشافنبورغ، وشمال ويلز، وقاقورتوك في غرينلاند، وأبلتون في الولايات المتحدة، وسيتكا في ألاسكا.

ولم تكن المشاهد السياحية وحدها حاضرة؛ فقد أظهرت الرحلة الغيوم المنخفضة، وضعف الرؤية، والمسافات الطويلة فوق المياه، والمطارات الصغيرة، والجبال الجليدية، والمناطق قليلة السكان.

وفي مثل هذه الرحلات لا يكون الطيار قائدًا للطائرة فقط، بل يصبح مسؤولًا عن متابعة الطقس والوقود وأجهزة الملاحة والاتصالات والمسارات البديلة، والاستعداد لأي طارئ في مناطق قد تبعد فيها أقرب مساعدة مئات الكيلومترات.

وهنا تتجلى قيمة الرحلة؛ فالمشهد الجميل الذي يراه المتابع لدقائق تقف خلفه ساعات من التركيز، وقرارات دقيقة، واستعدادات فنية، ومسؤولية لا تحتمل التهاون.

حين يبدأ الحلم بعد الخمسين

أقوى ما تحمله قصة السديري ليس طول المسافة وحده، بل توقيت البداية؛ فقد بدأ التدريب للحصول على رخصة الطيران عام 2018، وهو في الخمسين من عمره، ثم حصل عليها عام 2021.

وهنا تتحول الرحلة إلى رسالة إنسانية تتجاوز عالم الطيران:

العمر لا يمنع الإنسان من التعلم، ولا يسلبه حق البداية، ولا يجعله متأخرًا ما دام مستعدًا لبذل الجهد واكتساب المعرفة وتحمل المسؤولية.

كثير من الناس يدفنون أحلامهم لأنهم يعتقدون أن وقتها مضى، أو لأن المجتمع أقنعهم بأن التعلم والمغامرة والإنجاز مراحل مرتبطة بالشباب وحده. لكن تجربة السديري تقول إن الخمسين قد تكون بداية الطريق، لا نهايته؛ وإن الإنسان قد يكتشف قدراته الحقيقية في مرحلة ظن فيها أن الفرص أصبحت خلفه.

وقد سبقت الطيران لدى السديري تجارب في السفر والترحال بالدراجة النارية، كما وثق جانبًا من رحلاته في كتابين هما «العالم على ظهر دراجة» و«صور من رحلاتي». وتشير تجربته إلى أن السفر بالنسبة إليه وسيلة للمعرفة والاحتكاك بالثقافات، وليس مجرد انتقال أو ترفيه.

المعرفة قبل المغامرة

لا ينبغي أن تُقرأ هذه التجربة على أنها دعوة إلى المجازفة غير المحسوبة؛ فالفارق كبير بين المغامرة الواعية والاندفاع.

الوصول إلى المناطق القطبية أو عبور القارات بطائرة صغيرة يحتاج إلى تدريب طويل، وتخطيط للمسار، ودراسة للطقس، وحساب للوقود، وتجهيز للطائرة، وتصاريح للعبور والهبوط، ووسائل للاتصال والإنقاذ، وخطط بديلة لمواجهة المتغيرات.

وهنا يظهر أحد ملامح النضج السعودي الجديد: الطموح ليس شعارًا يقال، وإنما مشروع تسبقه المعرفة، وتُدرس مخاطره، وتُهيأ له الإمكانات.

فالنجاح لا يبدأ لحظة الإقلاع؛ بل يبدأ قبلها بسنوات من التدريب والانضباط والإعداد.

من رحلة بعيدة إلى الدوران حول العالم

لم تتوقف مسيرة السديري عند الوصول إلى أقصى الشمال؛ ففي عام 2024 انتقل إلى إنجاز أكبر، حين أكمل رحلة منفردة حول العالم على متن طائرة من طراز «دايموند DA42» أطلق عليها اسم «أجنحة العرب».

انطلق من مطار الثمامة بالرياض في 9 يوليو 2024، وعاد إليه في 4 أغسطس، بعد رحلة استمرت 26 يومًا، وسجلت 123 ساعة طيران، وقطعت 21,135 ميلًا بحريًا، وتضمنت 21 محطة مبيت في 14 دولة، وفق البيانات المسجلة لدى قاعدة الرحالة الجويين الدولية.

وأعلن نادي الطيران السعودي أن الرحلة شملت الهبوط في 30 مطارًا، وأنها لم تكن مغامرة شخصية فقط، بل فرصة للتعريف بالتطور الذي تشهده المملكة، وإبراز الإنجازات الوطنية وتعزيز صورة السعودية في المحافل الدولية.

وفي أبريل 2025، استقبل صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز الكابتن مشعل السديري بعد حصوله على شهادة إنجاز من الاتحاد الدولي للرياضات الجوية عن إتمام رحلته المنفردة حول العالم، في تقدير لإنجاز سعودي حمل اسم الوطن إلى فضاءات دولية واسعة.

سفير سعودي فوق السحاب

حين يهبط طيار سعودي في مطار بعيد حاملًا اسم بلاده وهويتها، فإنه يؤدي دورًا يتجاوز حدود الرحلة. فهو يقدم صورة عن وطن يمتلك أبناءً قادرين على التعلم والمنافسة والانضباط والوصول إلى أماكن لم تكن مألوفة في التجربة السعودية سابقًا.

والمواطن خارج وطنه لا يمثل نفسه فقط، بل ينقل بلغته وسلوكه ومهارته واحترامه للأنظمة صورةً عن مجتمعه وبلاده.

لقد أصبح السعودي اليوم حاضرًا في المحافل الدولية، وفي المختبرات والجامعات والطائرات والمركبات الفضائية والبطولات الرياضية والمشروعات التقنية. وهذه الإنجازات الفردية لا تنفصل عن بيئة وطنية رفعت سقف الطموح، وأعادت للإنسان ثقته بقدراته، وفتحت أمامه أبواب المبادرة والابتكار.

الرحلة التي تخصنا جميعًا

قصة مشعل السديري ليست للطيارين وحدهم، بل لكل إنسان أجّل حلمًا، أو ظن أنه أصبح أكبر من أن يتعلم، أو أقنع نفسه بأن الفرصة انتهت.

ليس المطلوب أن يقود الجميع طائرة إلى القطب الشمالي، وإنما أن يعثر كل إنسان على رحلته الخاصة: علم يتعلمه، أو مشروع يبدأه، أو مهارة يكتسبها، أو موهبة يعيد إحياءها، أو خدمة يقدمها لوطنه ومجتمعه.

قد يتأخر الإنسان في اكتشاف طريقه، لكن تأخر البداية لا يعني استحالة الوصول. وقد يكون العمر مصدرًا للنضج والخبرة والوعي، لا عائقًا أمام الطموح.

لقد سار ابن بطوطة قديمًا بين البلدان وسجل أحوال الشعوب، أما ابن بطوطة السعودي في عصرنا فاتخذ السماء طريقًا، والطائرة رفيقًا، والكاميرا دفترًا، وحمل اسم المملكة من صحراء الرياض إلى تخوم الجليد.

وفي نهاية الرحلة تبقى الرسالة أوضح من كل المشاهد:

لا تسأل كم مضى من عمرك؛ اسأل ماذا تستطيع أن تبدأ بما بقي منه.

روابط مرتبطة بالتقرير

* نادي الطيران السعودي: استكمال رحلة وطن حول العالم⁠
* قاعدة Earthrounders: بيانات رحلة مشعل السديري⁠
* نادي الطيران السعودي: تكريم السديري بشهادة دولية⁠
* صحيفة الرياض: طيار سعودي يدور حول الكرة الأرضية⁠
* صحيفة عاجل: مشعل السديري رحالة بين الطائرة والدراجة⁠

المزيد من مقالات محمد سعد القحطاني

اقرأ المزيد للكاتب ←

أضف تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *