
محمد بن سلمان..
عشرة أعوام رسّخت القوة السعودية
من تحصين الحد الجنوبي وتطوير وزارة الدفاع إلى توطين الصناعات العسكرية وكشف طبيعة المشروع الحوثي
أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني
منذ عام 2016 وحتى عام 2026، خاضت المملكة العربية السعودية مرحلة دقيقة، واجهت خلالها تهديدات متواصلة على حدودها الجنوبية، بالتزامن مع تنفيذ مشروع وطني واسع لتطوير منظومتها الدفاعية. وفي قلب هذه المرحلة برزت رؤية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، التي لم تتعامل مع المواجهة بوصفها حربًا عابرة، بل تحديًا أمنيًا واستراتيجيًا يستوجب بناء قوة عسكرية حديثة ومستدامة.
وبتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، انتقلت السياسة الدفاعية السعودية من التعامل مع الأخطار المباشرة إلى بناء منظومة متكاملة، تجمع بين تطوير وزارة الدفاع والقوات المسلحة، ورفع الجاهزية، وتحديث التسليح، وتأهيل القيادات، وتوطين الصناعات العسكرية، وحماية الحدود والمنشآت الحيوية، مع إبقاء طريق السلام مفتوحًا أمام اليمنيين.
البداية: تحديث المقاتلات وبناء القدرات
ظهرت معالم التحول بوضوح عام 2016، حين تابع الأمير محمد بن سلمان، أثناء توليه وزارة الدفاع، برنامج تطوير مقاتلات «التورنيدو» السعودية. واستهدف البرنامج المحافظة على القدرات القتالية للطائرة، من خلال تطوير أنظمة التسليح إلى أنظمة ذكية ومتقدمة، وترقية أنظمة الاتصالات والمراقبة الإلكترونية، إلى جانب تدريب الأطقم الفنية والجوية على تشغيل التقنيات الحديثة.
وفي العام نفسه، افتُتح مصنع للذخيرة الخفيفة بمحافظة الخرج، ومصنع لأنظمة الاتصالات العسكرية بمدينة الرياض، في خطوتين مبكرتين نحو نقل المعرفة والتقنية وتوطين التصنيع العسكري. ولم يعد الهدف شراء السلاح فحسب، بل امتلاك القدرة الوطنية على تشغيله وصيانته وتطويره وإنتاج مكوناته داخل المملكة.

إعادة تنظيم وزارة الدفاع
مثّل عام 2018 محطة مفصلية، بصدور الموافقة على وثيقة تطوير وزارة الدفاع، التي اشتملت على رؤية واستراتيجية لبرنامج تطوير الوزارة، ونموذج تشغيلي مستهدف، وهيكل تنظيمي، وقواعد للحوكمة، ومتطلبات لتنمية الموارد البشرية، بُنيت في ضوء استراتيجية الدفاع الوطني.
وتكشف هذه الخطوة المعنى الحقيقي لتطوير المؤسسة العسكرية؛ فالقوة لا تُقاس بعدد الأسلحة وحده، وإنما بوضوح الصلاحيات، وتكامل الأفرع، وسرعة اتخاذ القرار، وكفاءة الإنفاق، وتأهيل العنصر البشري، والقدرة على تنفيذ العمليات المشتركة في البيئات المعقدة.

وامتد التطوير إلى التعليم العسكري والاستراتيجي؛ إذ تضمّن الهيكل التنظيمي المستهدف إنشاء جامعة الدفاع الوطني، التي دشنها وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان عام 2024، لتأهيل القادة والمخططين وصنّاع القرار في مجالات الأمن الوطني والعمل العسكري المشترك والدراسات الاستراتيجية والدفاعية.
وفي سبتمبر 2022، تولى الأمير خالد بن سلمان وزارة الدفاع، لتتواصل تحت إشرافه برامج التطوير المؤسسي التي أُسست في المرحلة السابقة. وأكد ولي العهد حينها تطلعه إلى مواصلة الوزارة نجاحاتها والوصول إلى آفاق أوسع، بما يوضح أن بناء القوة السعودية مسار مؤسسي مستمر، لا يرتبط بمرحلة إدارية مؤقتة.
الحد الجنوبي.. حضور القيادة وثبات الجنود

لم يكن الحد الجنوبي بعيدًا عن القيادة؛ ففي عام 2016 أدى الأمير محمد بن سلمان صلاة عيد الأضحى مع منسوبي القوات المسلحة وقوات التحالف في جازان، في رسالة حملت تقديرًا للمرابطين، وأكدت حضور القيادة بالقرب من الجنود في مواقع الدفاع عن الوطن.
وخلال الأعوام التالية، واجهت القوات السعودية محاولات تسلل واعتداءات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والمقذوفات، استهدفت نجران وجازان وخميس مشيط وأبها والرياض ومدنًا ومنشآت مدنية أخرى.
ولم يكن الإنجاز العسكري محصورًا في اعتراض صاروخ أو إسقاط طائرة مسيّرة، بل تمثل كذلك في استمرار المدن والمطارات والمنشآت الحيوية في أداء أعمالها، بالتوازي مع تطوير قدرات الرصد والاعتراض والقيادة والسيطرة والاستجابة للطوارئ.
وفي عام 2026 أكدت التطورات الميدانية استمرار جاهزية منظومة الدفاع؛ إذ أعلنت قيادة التحالف، في 12 أكتوبر 2026، اعتراض وتدمير صاروخ باليستي أطلقته الميليشيا الحوثية باتجاه خميس مشيط، ضمن محاولات متجددة لاستهداف الأراضي السعودية.
من استيراد السلاح إلى توطينه
عند إطلاق رؤية السعودية 2030، كان ما يُنتج محليًا لا يتجاوز 2% من الإنفاق العسكري، رغم ضخامة ما تنفقه المملكة على المعدات والخدمات الدفاعية. ولذلك حددت الرؤية هدفًا استراتيجيًا يتمثل في توطين أكثر من 50% من الإنفاق العسكري بحلول عام 2030.
وفي عام 2017 تأسست الشركة السعودية للصناعات العسكرية «SAMI»، كما أُنشئت الهيئة العامة للصناعات العسكرية لتنظيم القطاع، وتمكين المستثمرين، ونقل التقنيات، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وبناء سلاسل إمداد محلية.
وبنهاية عام 2023 وصلت نسبة توطين الإنفاق العسكري إلى 19.35%، مقارنة بنحو 4% في عام 2018، فيما بلغ عدد المنشآت المرخصة والمصرح لها في القطاع 296 منشأة حتى الربع الثالث من عام 2024.
كما بلغت قيمة المشتريات العسكرية من الشركات المحلية نحو 13 مليار ريال، فيما عملت الهيئة على أكثر من 53 برنامجًا للمشاركة الصناعية، بقيمة تقارب 35 مليار ريال. وهذه النتائج لا تعني تصنيع المعدات العسكرية فحسب، بل تعني أيضًا توفير وظائف نوعية، وبناء خبرات هندسية وتقنية، وتوطين أعمال الصيانة وقطع الغيار، وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي للمملكة.
السلام من موقع القوة
على الرغم من الاعتداءات المتكررة، لم تغلق المملكة باب الحل السياسي. ففي 22 مارس 2021 قدمت مبادرة لإنهاء الأزمة اليمنية، تضمنت وقفًا شاملًا لإطلاق النار، وفتح مطار صنعاء لعدد من الرحلات، وتسهيل دخول السفن إلى ميناء الحديدة وفق الترتيبات المتفق عليها، والعودة إلى المشاورات السياسية برعاية الأمم المتحدة. وقد رحبت الحكومة اليمنية والأمم المتحدة ومجلس الأمن بالمبادرة.
وفي عام 2022، دعمت المملكة الهدنة التي أعلنها المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، مؤكدة أن هدفها ليس الدخول في حرب دائمة مع اليمن، وإنما حماية حدودها، ومساندة الحكومة اليمنية الشرعية، والوصول إلى حل سياسي شامل يحفظ أمن اليمن واستقراره، ويمنع تحويل أراضيه إلى منصة لتهديد دول المنطقة.
سقوط الرواية الحوثية
حاول الحوثيون تصوير المواجهة وكأنها صراع بين السعودية واليمن، متجاهلين أن الحكومة اليمنية الشرعية نفسها أدانت الاعتداءات الحوثية على المملكة، وأن الجماعة لا تمثل اليمن كله، بل تسيطر بقوة السلاح على أجزاء منه، وتستخدم اسم البلاد لتغطية مشروعها المسلح.
وكشفت الوقائع أن المتضرر الأول من هذا المشروع هو الشعب اليمني؛ فقد وثقت تقارير دولية انتهاكات تتعلق بتجنيد الأطفال، وزراعة الألغام، واحتجاز العاملين في المنظمات الدولية، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية وتوزيعها.
وفي تقرير فريق الخبراء المعني باليمن لعام 2024، أفادت الحكومة اليمنية الفريق بتلقيها 3298 بلاغًا عن تجنيد الحوثيين للأطفال خلال النصف الأول من العام، شملت استخدام بعضهم في القتال والاستطلاع وزراعة الألغام والعبوات الناسفة. كما تناول التقرير العراقيل التي تواجه وصول المساعدات الإنسانية وتوزيعها، إلى جانب الاحتجاز التعسفي للعاملين في المجال الإنساني.
وهنا يتضح التناقض في خطاب الجماعة: تتحدث باسم اليمن، ثم تعطل سلامه؛ وتدعي الدفاع عن شعبه، ثم تجند أطفاله؛ وترفع الشعارات الإنسانية، ثم تعرقل المساعدات؛ وتزعم استقلال قرارها، في وقت تشير فيه الوقائع وتقارير حظر الأسلحة إلى حصولها على قدرات وتسليح ودعم يتجاوز الإمكانات المحلية.
عشرة أعوام من بناء القوة
بين عامي 2016 و2026، لم تقتصر مسيرة الأمير محمد بن سلمان الدفاعية على إدارة المواجهة في الحد الجنوبي، بل أسست انتقالًا من رد الفعل إلى صناعة القدرة: وزارة أكثر تنظيمًا، وقوات أكثر تكاملًا، وقيادات مؤهلة، وتعليم عسكري واستراتيجي متقدم، وصناعات وطنية متنامية، وقدرة مستمرة على حماية الحدود والمدن والمنشآت الحيوية.
وأثبتت المملكة أنها لا تبحث عن حرب دائمة، لكنها لا تتهاون في حماية أرضها وشعبها. فهي تمد يدها للسلام، وتدعم الدولة اليمنية، وتساند المسار السياسي، وفي الوقت نفسه تبني قوتها، وتطور منظومتها الدفاعية، وتتصدى لكل اعتداء.
أما الحوثيون، فقد حاولوا اختطاف اسم اليمن وتوظيف معاناته في خدمة مشروعهم، لكن الوقائع كشفت طبيعة ذلك المشروع. وبقيت السعودية ثابتة: تحمي حدودها، وتصون أمنها، وتبني قدراتها، وتقف مع اليمن دولةً وشعبًا، لا مع الجماعة المسلحة التي تتحدث باسمه.



