
حين تعرض طهران الوساطة… وتبقى الرياض صاحبة القرار
اتصال عراقجي يكشف مفارقة الدور الإيراني، وصلابة الموقف السعودي بين حماية البلاد وإبقاء باب السياسة مفتوحًا
قراءة تحليلية
أحوال- أبها – محمد سعد القحطاني
لم يأتِ اتصال عباس عراقجي بوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في فراغ. جاء بعد تصعيد حوثي طال منشآت مدنية في المملكة، وفيما كانت طهران تعلن استعدادها لتسهيل الحوار بين الرياض والحوثيين. والمفارقة التي تستحق التوقف عندها أن إيران تقدم نفسها وسيطًا، فيما تصفها تقارير دولية بأنها حليف للحوثيين وداعم لهم.
هذه ليست وساطة محايدة بالمعنى الكامل؛ إنها رسالة سياسية تحمل وجهين: دعوة إلى التهدئة، وتأكيد ضمني على أن لطهران نفوذًا في مسار الحوثيين. ومن هنا لا ينبغي أن تُقرأ كلمات «الحوار» منفصلة عن سجل العلاقة بين الطرفين، ولا أن تتحول دعوة الوساطة إلى إعفاء سياسي من مسؤولية دعم طرف يواصل التصعيد. وفي المقابل، لا يثبت الاتصال وحده أن إيران وجّهت هجومًا بعينه أو أمرت به؛ فذلك يحتاج إلى أدلة مستقلة.
أما الموقف السعودي المعلن، فكان أكثر تحفظًا في العبارة وأوضح في المبدأ: بيان الخارجية اكتفى بالإشارة إلى بحث التصعيد والجهود المبذولة لمعالجته، فيما أدانت المملكة مع دول أخرى الهجمات التي طالت مطار الملك خالد، وأكد التحالف أن الرد سيكون حازمًا ومتوافقًا مع القانون الدولي الإنساني. هذا الجمع بين الاتصال الدبلوماسي والتمسك بحق الدفاع يعكس سياسة دولة تعرف أن ضبط النفس لا يعني التهاون، وأن فتح باب الحوار لا ينتقص من حماية أمنها وسيادتها.
قوة الحكومة السعودية لا تُقاس بحدة التصريحات، بل بقدرتها على إدارة الأزمة: حماية السكان والمنشآت، إعلان الموقف، حشد الإدانة الدولية، ومواجهة التهديد من دون التفريط في القرار الوطني. وصلابة الرياض تظهر في أنها لا تسمح لطهران بأن تحتكر دور الوسيط أو أن تجعل التهدئة غطاءً لاستمرار نفوذها عبر حليفها.
والرسالة الأوضح لطهران: إذا كانت جادة في التهدئة، فلتستخدم ما تقول إنها تملكه من تأثير لوقف الهجمات، لا لتسويق نفسها وسيطًا فيما تستمر أسباب التصعيد. أما المملكة، فبابها للدبلوماسية لا يُغلق، لكن أمنها ليس ورقة تفاوض، وحماية مواطنيها ليست موضع مساومة.



