
أسواق بأسماء المواطنين وإدارة أجنبية.. من يضبط تجارة المواشي والأعلاف والأسمنت والفحم؟
عمالة مجهولة الصفة تستحوذ على البيع والوساطة وتأجير الأحواش، والمواطن البائع والمستهلك يدفعان الثمن
أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني
يدخل المواطن بعض أسواق المواشي والأعلاف والأسمنت والفحم، فيكاد لا يسمع خلف منصات البيع إلا أصوات عمالة وافدة تتولى عرض البضاعة، وتحديد السعر، واستلام الأموال، والتفاوض مع المشترين، وترتيب النقل، وكأن النشاط انتقل من صاحبه النظامي إلى أشخاص لا يعرف المتعامل معهم صفتهم المهنية ولا علاقتهم القانونية بالموقع.
لسنا أمام عامل يؤدي مهمة محددة لدى منشأة مرخصة، فذلك عمل مشروع لا اعتراض عليه، وإنما أمام حالات يظهر فيها الوافد بصورة المالك الفعلي: يشتري ويبيع، ويؤجر، ويقبض، ويدير العمال، ويتحكم في الأسعار، بينما يغيب صاحب النشاط أو يظهر اسمه فقط على ورقة أو عقد.
وهنا تبدأ الأسئلة التي لا ينبغي أن تبقى بلا إجابة: من أين جاء هؤلاء؟ ما المهن المسجلة في إقاماتهم؟ أين يعمل كفلاؤهم؟ ومن منحهم حق إدارة الحظائر والمباسط والمستودعات؟ وإلى أي حسابات تذهب إيراداتهم؟ وهل يمثل وجودهم عمالة نظامية، أم تجارة لحسابهم الخاص، أم تسترًا يقوم على تأجير الاسم والترخيص مقابل مبلغ شهري؟
ليست القضية جنسية العامل
لا يجوز تعميم المخالفة على جميع الوافدين، فبينهم العامل النظامي والأمين وصاحب الخبرة. لكن الإنصاف للملتزمين أنفسهم يقتضي ضبط من يعمل خارج مهنته أو يدير نشاطًا لحسابه من دون ترخيص.
ووفق نظام مكافحة التستر، لا يجوز لغير السعودي ممارسة نشاط اقتصادي لحسابه الخاص دون الترخيص النظامي الذي يسمح له بذلك. كما سبق لوزارة التجارة التشهير بمواطن مكّن وافدًا من الاستثمار في المواشي وبيعها للمطاعم مستخدمًا نشاط المواطن، وهو دليل رسمي على أن التستر في تجارة المواشي واقع سبق ضبطه، وليس مجرد اتهام متداول.
ولا تعني هذه القاعدة منع المستثمر الأجنبي المرخص من نشاط أجازه له النظام؛ فالمستثمر النظامي يختلف عن عامل يعمل سرًا تحت اسم مواطن أو بعيدًا عن مهنته وكفيله.
هل بيع المواشي مقصور على السعوديين؟
خضعت أسواق المواشي للتوطين الكامل في بعض مناطق المملكة؛ فقد أعلنت لجنة التوطين في نجران أن النشاط مستهدف بالتوطين بالكامل، كما شملت قرارات التوطين أسواق المواشي في منطقة الحدود الشمالية. إلا أن المتاح من القرارات الرسمية لا يثبت وجود حظر وطني موحد بالصيغة نفسها في جميع المناطق.
وهذه الفجوة تستدعي من وزارة الموارد البشرية إصدار بيان واضح يحدد وضع النشاط في كل منطقة ونسبة التوطين والمهن التي يجوز للوافد ممارستها داخل السوق. فلا يبقى القرار معروفًا للجهات ومجهولًا للبائع والمشتري، ولا تتحول الاختلافات بين المناطق إلى مدخل للمخالفات.
المربي الفرد والتاجر الخفي
قد يحضر مواطن إلى السوق ليبيع عددًا محدودًا من أغنامه التي رباها، ولا يعني عدم امتلاكه سجلًا تجاريًا بالضرورة أنه متستر أو مخالف. لكن ممارسة البيع المنتظم، أو استئجار الحظائر، أو إدارة مستودع، أو المتاجرة بكميات كبيرة، تخضع لتراخيص النشاط والسوق.
وتتيح منصة «نما» تراخيص للمحلات والمباسط والمستودعات والحظائر ومقدمي خدمات التسويق والتحميل والتنزيل داخل أسواق النفع العام. ومن ثم يجب التفريق بين المربي الذي يبيع إنتاجه بصورة مباشرة، وبين شخص يدير نشاطًا تجاريًا دائمًا خلف واجهة غير حقيقية.
المشكلة ليست في مطالبة كل صاحب رأس أو رأسين بفتح مؤسسة، بل في أن يتحول الحوش إلى متجر دائم، والعامل إلى تاجر، والكفيل إلى اسم غائب، وتظل الأموال تتحرك بلا فاتورة ولا حساب تجاري ولا مسؤول ظاهر.
السيطرة لا تتوقف عند الأغنام
تمتد الملاحظة إلى أسواق الأعلاف والأسمنت والفحم؛ وهي سلع مرتبطة بالبناء والزراعة والتدفئة والمطاعم وتربية الحيوانات. وفي بعض المواقع يتولى العامل معرفة الموردين، واستلام الشحنات، وتحديد السعر، ومنح الخصم، وتحصيل الأموال، بينما لا يظهر المالك المسجل إلا عند تجديد الرخصة أو توقيع العقد.
وحين تتركز هذه الصلاحيات لدى مجموعات مترابطة، قد تُحاصر المنشأة التي يديرها مواطن بنفسه، ويُوجَّه العملاء إلى بائع بعينه، وتتبادل العمالة المعلومات عن الأسعار والموردين، وتتكون سوق موازية تملك البضاعة والوسيط والنقل والتحصيل.
والمواطن الذي يحاول دخول النشاط لا ينافس متجرًا واحدًا؛ بل قد يواجه شبكة متعاونة تحمي حصتها من السوق، بينما يتحمل وحده الإيجار والرسوم والضرائب والتراخيص.
المشتري بين التسعير الشفهي والوسيط

يتضرر المستهلك كذلك عندما لا يكون السعر معلنًا، أو يختلف باختلاف مظهر المشتري ومعرفته وقدرته على المساومة. وفي سوق المواشي قد يتدخل أكثر من وسيط، فتنتقل الماشية بين أيدٍ عدة خلال ساعات، وكل يد تضيف ربحًا لا يعرفه المشتري.
وقد بدأت وزارة البيئة تطبيق تنظيم بيع المواشي المعدة للذبح بالوزن، مع تحديد سعر الكيلوجرام وإصدار فاتورة تتضمن النوع والوزن والتاريخ. وهذه خطوة مهمة، لكنها تحتاج إلى تطبيق فعلي في كل سوق، حتى لا يبقى الميزان موجودًا للعرض بينما تستمر الصفقة شفهيًا.
المسالخ العشوائية.. الخطر بعد إتمام الصفقة

لا تنتهي المخالفة عند البيع؛ إذ قد يُنقل الحيوان إلى حوش أو مزرعة أو استراحة تستخدم للذبح بعيدًا عن المسالخ النظامية. وهناك لا كشف بيطري، ولا ضمان لنظافة الأدوات والموقع، ولا إدارة صحية للمخلفات، ولا ختم رسمي يثبت سلامة الذبيحة.
وقد أعلنت جهات رسمية مرارًا ضبط مسالخ عشوائية تديرها عمالة مخالفة، وضبط لحوم وحيوانات مجهولة المصدر في مواقع غير مهيأة. ولا تتعلق المخالفة بالنظافة وحدها؛ بل باحتمال تداول ذبائح مريضة أو لحوم لا يعرف مصدرها، وتعريض صحة الناس والبيئة للخطر.
ومن الواجب كذلك فحص ظاهرة تأجير أحواش الأغنام للعمالة من الباطن. فمن المستأجر الحقيقي؟ وهل يطابق مستخدم الحوش الاسم الموجود في الترخيص؟ وهل يجوز للمستفيد تسليم الموقع لشخص آخر؟ إن عقدًا باسم مواطن وحوشًا يديره وافد ويحصّل دخله يمثل علامة تستحق الفحص، وإن لم تكن وحدها دليلًا نهائيًا على التستر.
مبادرة «المالك الفعلي»
الحل ليس حملة موسمية يتفرق عند وصولها المخالفون ثم يعودون بعد مغادرتها، بل إنشاء منظومة رقابية دائمة تشمل:
- تسجيل كل حظيرة ومبسط ومستودع باسم المستفيد الفعلي.
- وضع لوحة ورمز استجابة سريع يوضحان اسم المرخص له ونوع النشاط.
- تسجيل جميع العاملين ومهنهم وكفلائهم ومواقع عملهم المعتمدة.
- منع تأجير الحظائر والمباسط للغير من الباطن.
- ربط عقود الأحواش بمنصة «نما» والرخص البلدية.
- إلزام الأنشطة المستمرة بالفوترة والدفع الإلكتروني.
- توثيق مصدر المواشي والأعلاف والأسمنت والفحم ومسار شرائها.
- البيع بالوزن وإعلان الأسعار اليومية داخل سوق المواشي.
- مطابقة الإيرادات مع حساب المنشأة والمرخص له.
- تركيب كاميرات في مناطق البيع والوزن والتحميل.
- منع الذبح خارج المسالخ المعتمدة وإغلاق مواقع الذبح العشوائي.
- تنفيذ جولات مشتركة في أوقات نشاط السوق، لا في الساعات الهادئة.
- دعم المواطن الذي يدير نشاطه بنفسه بمواقع ورسوم وتمويل مناسب.
- نشر نتائج الرقابة وأعداد المخالفات والحظائر المغلقة دوريًا.

ولا يكفي أن يسأل المراقب العامل عن إقامته؛ بل يجب أن يسأله: من اشترى هذه البضاعة؟ من حدد سعرها؟ لمن تعود الأرباح؟ أين صاحب الترخيص؟ ومن يدفع الإيجار ورواتب العمال؟
ضبط السوق يحمي الجميع

تبذل وزارات البيئة والتجارة والموارد البشرية والأمانات والجهات الأمنية جهودًا ظاهرة في الجولات وضبط المخالفين وإغلاق المواقع غير المرخصة. وقد شهد سوق مواشي أبها حملة أغلقت عشرات الحظائر المخالفة واتخذت الإجراءات بحق العمالة المخالفة والحظائر التي لا تحمل تراخيص «نما». لكن تكرار الظاهرة يؤكد أن الحملات تحتاج إلى قاعدة بيانات مشتركة تربط الإنسان بالمهنة، والحوش بمرخصه، والبضاعة بمصدرها، والمبلغ بمستلمه.
المواطن المربي لا يطلب سوقًا خاليًا من المنافسة، والمستهلك لا يطلب سعرًا مفروضًا بلا مبرر؛ كلاهما يريد سوقًا يعرف فيه من يبيع، وبأي صفة يبيع، وكيف تكوّن السعر، ومن يتحمل المسؤولية عند الغش أو المرض أو المخالفة.
أما أن تكون الحظيرة باسم مواطن، وإدارتها لعامل، وأموالها في يد وسيط، وذبحها داخل حوش مجهول، فلا يمثل تجارة طبيعية؛ بل حلقة اقتصادية وصحية وأمنية يجب ضبطها من بدايتها، قبل أن يصبح صاحب الحق غريبًا في السوق، والمخالف هو من يقرر من يدخل ومن يخرج.



