

طلب الاهتمام بين العطاء والحاجة
حين لا يكون السؤال طلبًا زائدًا، بل محاولةً لئلا يشعر الإنسان أنه وحده
تقرير إنساني نفسي –
أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني
قد يقول أحدهم: «لماذا لا تسأل عني؟» أو يكرر طلب الحديث والجلوس، فيُفسَّر طلبه أحيانًا على أنه مبالغة أو تعلق أو رغبة في لفت الانتباه. لكن خلف هذه العبارة قد تختبئ حاجة إنسانية بسيطة: أن يشعر المرء بأنه حاضر في قلب من يحب، وأن صوته مسموع، وأن تعبه لا يمر من دون ملاحظة.
الاهتمام ليس ترفًا في العلاقات؛ فالكلمة الطيبة، والسؤال الصادق، والإنصات من دون استعجال، تفاصيل تمنح الإنسان شعورًا بالأمان والانتماء. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن جودة الروابط الاجتماعية وما يتبادل فيها الناس من دعم تؤثر في الرفاه النفسي، وأن العزلة والوحدة قد ترتبطان بتراجع الصحة النفسية.
لكن الحاجة إلى الاهتمام لا تعني أن طرفًا واحدًا مسؤول عن ملء كل فراغ، أو أن عليه أن يكون متاحًا في كل لحظة. فهناك مسؤوليات وضغوط واختلاف في طرق التعبير؛ قد يعبّر شخص عن محبته بالفعل والخدمة، بينما ينتظر الآخر كلمة أو وقتًا مشتركًا. هنا يبدأ سوء الفهم: يعطي أحدهما ما يراه كافيًا، ويطلب الآخر ما يحتاج إليه، من دون أن يشرح كل منهما لغته العاطفية بوضوح.
والفرق كبير بين طلبٍ صريح مثل: «أحتاج أن تجلس معي قليلًا» وبين اللوم المستمر أو اختبار المحبة بالصمت والتهديد. كما أن الانشغال العابر لا يعني الإهمال بالضرورة، لكن تكرار التجاهل والاستخفاف بالمشاعر قد يجعل العلاقة باردة، ويترك أحد الطرفين في حالة انتظار دائم. والتواصل المفتوح، مع الإصغاء المتبادل، يساعد على فهم الاحتياجات وتقوية العلاقة، بحسب إرشادات الجمعية الأمريكية لعلم النفس.
الحل لا يبدأ باتهام أحدهما بأنه «لا يهتم»، بل بتسمية الحاجة بهدوء: ما نوع الاهتمام الذي أحتاجه؟ وما الذي أستطيع تقديمه للطرف الآخر؟ ثم الاتفاق على مساحة واقعية: وقت للحوار، سؤال متبادل، ومبادرة لا تنتظر دائمًا أن يطلبها الطرف الأكثر احتياجًا. وفي المقابل، من يطلب الاهتمام عليه أن يحترم حدود الآخر وألا يحوّل حاجته إلى ضغط أو ابتزاز.
العلاقة الناضجة لا تجعل العطاء دينًا يُحصى، ولا تجعل الحاجة تهمةً تُخفى؛ إنها مساحة يتعلم فيها الطرفان أن يسألا بوضوح، ويعطيا بقدر الاستطاعة، ويصغيا بصدق. فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى حلول كبيرة؛ أحيانًا يحتاج فقط إلى من يقول له: «أراك، وأسمعك، وأنا إلى جانبك».



