

«العنوسة» ما بين تمكين المرأة وخطاب النسويات
العمل حق مشروع… لكن الاختلاط وصراع الأدوار وارتفاع التكاليف تعيد رسم شروط الزواج
تقرير اجتماعي – أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني
أصبح تأخر الزواج قضية اجتماعية تستحق الدراسة بعيدًا عن الاتهامات المختصرة؛ فهناك من يربطه بتمكين المرأة، ومن يرى أن بعض الخطابات النسوية أسهمت في التقليل من قيمة الزواج والأسرة، بينما يعيده آخرون إلى البطالة وغلاء المعيشة وارتفاع التكاليف والمبالغة في الشروط.
والقضية لا يمكن اختزالها في سبب واحد، ولا يجوز تحميل المرأة وحدها مسؤوليتها؛ فتأخر الزواج يشمل الرجال والنساء، وتصنعه عوامل اقتصادية وأسرية وثقافية ونفسية متداخلة.
كما أن وصف المرأة التي تأخر زواجها بـ«العانس» قد يتحول إلى وصمة اجتماعية جارحة، وكأن قيمتها مرتبطة بعمر زواجها. والأدق الحديث عن «تأخر الزواج»؛ لأن الزواج رزق واختيار ومسؤولية، وليس سباقًا زمنيًا أو معيارًا لقياس قيمة الإنسان.
التمكين ليس خصمًا للأسرة
حقق تمكين المرأة السعودية نتائج مهمة في التعليم والعمل والتنمية. ووفق تقرير رؤية السعودية 2030، ارتفعت مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل من 35% عام 2023 إلى 36% عام 2024، بعدما تحقق المستهدف الأصلي البالغ 30% قبل موعده بسنوات. كما أظهرت الهيئة العامة للإحصاء انخفاض معدل بطالة السعوديات من 19% عام 2022 إلى 13% عام 2024.
ولا تعني هذه المؤشرات أن المرأة العاملة أصبحت رافضة للزواج؛ فالمرأة المتعلمة والمنتجة تستطيع أن تكون زوجة وأمًا وشريكًا واعيًا في بناء الأسرة. وتمكينها من حقوقها لا يهدد الرجل، بل يرفع قدرتها على الإسهام في استقرار بيتها ومجتمعها.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التمكين من توفير الحقوق والفرص إلى خطاب يصور الأسرة عبئًا، والزواج قيدًا، والرجل خصمًا، والأمومة تعطيلًا للطموح. وفي المقابل، تظهر المشكلة أيضًا عندما يرفض بعض الرجال نجاح المرأة أو يحاولون إلغاء شخصيتها وحقوقها.
العمل المختلط وإحدى عقبات الاختيار
من القضايا التي لا يمكن تجاهلها أن شريحة واسعة من الرجال لا تقبل أن تعمل الزوجة في مكان يقوم على الاختلاط اليومي بالرجال، ولا سيما إذا كان العمل يتطلب اجتماعات متكررة أو سفرًا أو ساعات طويلة أو تواصلًا خارج أوقات الدوام.
وهذه المسألة تؤثر في الاختيار الزوجي؛ فقد يشترط الرجل منذ البداية ألا تعمل زوجته في بيئة مختلطة، بينما تتمسك المرأة بوظيفتها ومسارها المهني. وإذا لم يُناقش الأمر بوضوح قبل الزواج، فإنه قد يتحول لاحقًا إلى خلاف حاد بين حقها في العمل ورؤيته لطبيعة الحياة الزوجية والحدود التي يطمئن إليها.
ولا يصح وصف كل رجل يتحفظ على الاختلاط بأنه معادٍ لعمل المرأة؛ فقد يكون موقفه دينيًا أو اجتماعيًا أو نابعًا من غيرته ورؤيته لشكل الأسرة التي يريد بناءها. وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن يُفاجئ المرأة بعد الزواج بمنعها من عمل كان يعرف طبيعته ووافق عليه منذ البداية.
الحل هو الوضوح قبل الارتباط، واحترام حق كل طرف في تحديد ما يناسبه، من دون خداع أو فرض أو ابتزاز. كما ينبغي دعم الوظائف النسائية المستقلة، والعمل عن بُعد، والدوام المرن، والبيئات المهنية المنضبطة؛ حتى لا تجد المرأة نفسها أمام اختيار قاسٍ بين الزواج والعمل.
من الحقوق إلى صراع الجنسين
ينبغي التفريق بين تمكين المرأة بوصفه مشروعًا وطنيًا، وبين بعض الخطابات النسوية المتشددة التي تقدم العلاقة بين الرجل والمرأة باعتبارها معركة نفوذ.
فالدفاع عن حقوق المرأة لا يعني تحريضها على الرجل أو إقناعها بأنها لا تحتاج إلى أسرة. ورفض بعض الطروحات النسوية لا يبرر حرمان المرأة من التعليم والعمل والميراث والكرامة والاختيار.
وحين تسمع الفتاة باستمرار أن نجاحها يبدأ بالاستغناء عن الرجل، ويسمع الشاب أن المرأة المستقلة خطر على مكانته، يدخل الطرفان مشروع الزواج وهما يحملان الشك والخوف بدل المودة والثقة. وهنا يتحول الزواج قبل أن يبدأ إلى مفاوضات حول من يسيطر، لا إلى شراكة تبحث عن الاستقرار.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
أسباب تتجاوز تمكين المرأة
تأخر الزواج لا تصنعه الأفكار وحدها؛ فهناك غلاء المهور والحفلات، وارتفاع تكاليف السكن، وعدم استقرار الدخل، والبطالة، والمبالغة في التجهيزات، وربط الزواج بصورة اجتماعية مكلفة تفوق قدرات كثير من الشباب.
وتتحمل بعض الأسر جزءًا من المسؤولية حين ترفض الخاطب بسبب القبيلة أو المهنة أو مستوى الدخل، أو تضع شروطًا تعجيزية، أو تؤخر الزواج انتظارًا لشخص كامل المواصفات.
كما رفعت منصات التواصل سقف التوقعات؛ إذ أصبحت الحياة الزوجية تُقارن بصور حفلات ورحلات وهدايا منتقاة. وينتظر بعض الرجال زوجة تجمع الجمال والوظيفة وتحمل مسؤوليات المنزل كاملة، بينما تنتظر بعض النساء زوجًا ثريًا ناجحًا ومتفرغًا لها. وعندما يبحث الطرفان عن صورة مثالية غير واقعية، تضيق فرص القبول والتوافق.
وأكد مجلس شؤون الأسرة أن قرار الزواج ينبغي أن يقوم على الاستعداد النفسي والمادي، والنضج، والاختيار المناسب؛ لا على الخوف من كلام الناس أو الهروب من وصف «العنوسة».
الحل ليس بإعادة المرأة إلى الوراء
لا تُعالج المشكلة بإخراج المرأة من سوق العمل، ولا بإجبار الرجل على القبول بنمط حياة لا يناسبه، ولا بتحميله تكاليف تفوق قدرته. الحل يبدأ بإعادة بناء مفهوم الزواج على الوضوح والتوافق والشراكة.
ومن الضروري خفض المهور وتكاليف المناسبات، وتوسيع برامج دعم المقبلين على الزواج، وتوفير حلول سكنية وتمويلية ميسرة، وتقديم برامج تأهيل للطرفين، وتنشيط الوساطة الأسرية الموثوقة، وتشجيع فرص العمل التي تراعي خصوصية المرأة والأسرة.
كما يحتاج المجتمع إلى خطاب إعلامي متوازن يحمي حقوق المرأة، ويحترم مكانة الرجل، ويرفض تحريض أحدهما على الآخر. فالأسرة لا تُبنى بانتصار المرأة على الرجل، ولا بإخضاع المرأة للرجل، وإنما بتعاونهما واتفاقهما المسبق على الحقوق والواجبات.
والسؤال الحقيقي ليس: هل نختار تمكين المرأة أم الأسرة؟ بل: كيف نبني تمكينًا يحفظ حقوق المرأة، ويطمئن الرجل، ويقوي الأسرة؟
فالمرأة ليست نقيض الرجل، والرجل ليس عائقًا أمام نجاح المرأة. وحين يدرك الطرفان أنهما لا يبحثان عن منافس يهزمانه، بل عن شريك يسكنان إليه، يصبح الزواج أقرب إلى المودة والرحمة والاستقرار.




