السلام والسراب بقيعة

أ. شهوان بن عبد الرحمن الزهراني
كلما تحدثوا عن السلام مع إسرائيل راودني كابوس غدر اليهود ومكرهم وخداعهم لله عز وجل وللرسل على مر تاريخهم فهم أهل بهتان وزور وخبث طوية وأكثر عدوانية للبشرية، وهذا القول ليس من جعبتي ولا من اجتهادي ولكن من وحي القرآن الكريم وما ورد به من الآيات التي تحدثنا عن اليهود، فقد ذكر خبثهم وعدد مخازيهم والمآسي التي ارتكبوها في حق الله سبحانه وتعالى وحق الرسل عليه السلام وحق العباد. وقد عرض القرآن الكريم في نصوصه الشريفة أبرز مواقف الخداع والرفض والبهتان والكفر ونقض العهود والعصيان فهم قد جحدوا الثوابت والحقائق وكفروا بها وبدّلوا وغيروا دين الله عز وجل الذي ارتضاه لعباده. ومن يستعرض آيات القرآن الكريم يجد أنهم:
قالوا عن الله أنه فقير وقالوا يد الله مغلولة وقالوا على الله الكذب وأدعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وذكر الله عز وجل أنهم يخادعون الله وهو خادهم وأنهم قتلوا الأنبياء وسفكوا الدماء، فسفك الدماء عندهم أمر ميسور وسهل في قيمهم وأخلاقهم، فقد استحلوا دماء الأنبياء وخانوا العهود واستحلوا الحرام، فأكلوا أموال الناس بالباطل واستحلوا الربا. وقالوا على مريم بهتاناً عظيماً، وهم أشد عداوة للمسلمين بنص القرآن الكريم فقد قال الله عز وجل:﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ الآية (82) سورة المائدة: وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ﴾ الآية (10) سورة التوبة. وذكر الله سبحانه وتعالى جرائم أخرى وقعت منهم فقال الله جل جلاله: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ الآية (155) سورة النساء. وبناء على هذه الحقائق والثوابت ينبغي النظر إليها حين التعامل مع اليهود بصفة عامة، وأخذها في الحسبان.
وحينما وجدوا أنفسهم في العصر الحديث محل اهتمام دول الغرب المؤيد لهم استغلوا هذا التأييد في ظلم المسلمين والعرب، فكانت نكبة وجودهم في فلسطين حينما تم تنفيذ وعد بلفور الذي أعطى وهو لا يملك لمن لا يستحق. فقامت دولة الكيان المغتصب على أسس من الحقد والكراهية لكل ما هو مسلم وعربي. وتمادوا في الظلم والقتل واغتصاب الحقوق واستحلال الأراضي ونهبها من أيدي أهلها بقوة السلاح ودعم الغرب.
وحينما انتفض أبناء الشعب الفلسطيني بما يسمى انتفاضة الحجارة، وتعرت إسرائيل في هشاشة قوتها وعتادها، وانكشفت أخلاقها ومبادئها وديموقراطيتها المزيفة، بل وفضح من خلفهم من دول الغرب، نادوا بخدعة السلام مع إسرائيل. وهي خدعة نجحت فيها إسرائيل ودول الغرب بامتياز واستفادت منها إسرائيل وحققت بذلك ما لم تكن تحلم به. فمعلوم أن المفاوضات دائماً تأخذ وقتاً يمكن أن يكون طويلاً متى كان أحد الطرفين متمرساً في الخداع والمكر والاحتيال، وهذا ما جعل إسرائيل تستفيد من هذه المفاوضات وتجيرها بكل معطياتها لصالحها في كل مرحلة، حتى أصبحت المبادئ التي قامت عليها معاهدة أسلو ومؤتمر مدريد منذ أكثر من ثلاثين عاماً مجرد وهم وسراب للفلسطينيين الذين يتمسكون ببنودها ومن أبرزها التنسيق الأمني وعدم استعمال العنف ضد المستوطنين وإدانة ذلك العنف. أما إسرائيل فقد بصقت على تلك المبادئ والأسس ومزقتها وداست عليها بقدميها ولم تعد في قاموسها السياسي أو في خططها المستقبلية. واستغلتها في خلق مشكلة كبيرة بين أفراد المقاومة والسلطة الفلسطينية.
إن اليهود الصهاينة بقيادة النتن ياهو لن يسمحوا بإقامة دولة فلسطينية تتمتع بكامل مقومات الدولة وقد أعلن رئيس وزراء إسرائيل ذلك بصراحة ووضوح، لأنهم يعرفون أن هذا الحق الفلسطيني متى وُجد على الأرض وكان واقعاً ملموساً فإنه يعني لإسرائيل كابوساً، لأنهم نازيون مغتصبون شتات جاءت بهم دول الكفر والعدوان ليكونوا شوكة في عيون العرب خاصة والمسلين عامة فأعطوهم فلسطين ولهذا فهم يسعون للقضاء على كل أسباب قيام الدولة الفلسطينية.
ومع أن هذا التصريح من النتن ياهو جاء قبل أيام أي في عام 2024م بعد معاهدة أسلو بواحد وثلاثين عاماً، فقد تنبأت شخصياً بحدوث هذا منذ ثمانية وعشرين عاماً، فقد كتبتُ مقالة في صحيفة المدينة في العدد ١٢٥٠٢ في يوم الثلاثاء ١٩ / ٠٩/ ١٤١٧هـ بعنوان ” إسرائيل تريد سلاماً أعمى ” لأن الصهاينة منذ توقيع عملية السلام ومؤتمر مدريد لم يبدو أي مظهر لحسن النية بينما العرب عامة والفلسطينيين خاصة يسعون وراء هذا السلام ويتنازلون كل يوم عن مطالبات كثيرة فيتأخرون عشر خطوات وتتقدم إسرائيل مائة خطوة. ولو حسبنا عدد المستوطنات التي أقيمت منذ توقيع عملية السلام حتى اليوم وما يحدث الآن في غزة من مجازر غير مسبوقة في التاريخ وسكوت حكومات الغرب عن هذه الجرائم، لتبين أن إسرائيل لا تريد سلاما حقيقياً يعيد للفلسطينيين حقوقهم المشروعة ومن يقول بغير هذا فهو واهم لأنه يتعامل مع اليهود وتاريخهم الملوث بالخيانة والغدر وسفك الدماء واغتصاب حقوق الاخرين ونقض العهود والكذب على الله عز وجل وقتل الأنبياء ومن يكون هذا تاريخه وماضيه فمستقبله سيكون أفضع وأشنع.
كما كتبت أيضاً مقالة أخرى بعنوان” السلام الذي ولد ميتاً ” بصحيفة المدينة بعددها رقم (١٤١٢٠) في يوم الاحد الموافق ١٥-١٠-١٤٢٢هـ وذكرت فيها إن أمريكا كعادتها في إيجاد غطاء لكل جرائم الصهاينة تؤكد دائما حق إسرائيل في محاربة الاٍرهاب فقد جعلوا أعمال النضال والمقاومة الفلسطينية المشروعة من قبيل الإرهاب. وقلت:” فماذا ينتظر دعاة سلام الشجعان بصفة خاصة والعرب بصفة عامة الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً بمقولة إن السلام مع إسرائيل خيار استراتيجي”
وكتبت في صحيفة البلاد يوم الأحد ١٤٣١/٤/١٣هـ بعددها (١٩٤٤٠) مقالة بعنوان ” إسرائيل ووهم السلام ” وتضمن المقالة سؤالاً مؤداه: ” ما الذي يجبر إسرائيل على قبول التنازل عن أطماعها ومكاسبها المادية والمعنوية والعودة لحدود 1967م أو التنازل عن القدس أو الموافقة على عودة اللاجئين أو إيقاف بناء المستوطنات أو غيرها من المطالبات التي يسعى إليها الفلسطينيون.؟!
الجواب: لا شيء يجبرها على ذلك، وبخاصة بعد فتح سفارات إسرائيل في بعض عواصم الدول العربية وانخفاض مستوى رفض قبول التعامل معها إلى أدنى مستوياته من بعض الدول العربية منذ احتلالها لفلسطين، فضلاً عن نجاح إسرائيل وحلفائها في عملية إجهاض المقاومة الداخلية، وتصنيف القائمين بها تحت مسمى الإرهابيين. إن إسرائيل لا يوجد ما يجبرها على قبول السلام، لأن خيوط اللعبة كلها بيدها والملعب كله تحت سيطرتها فلا يوجد ما يجبرها على قبول السلام.
إن هذه الرؤية الشخصية لعملية السلام مع إسرائيل مبنية على حقائق وثوابت تؤكدها الأحداث من عام إلى عام فالتاريخ الإسرائيلي يشهد بالغدر والمكر ونقض العهود وانتهاك الحرمات وسفك الدماء، وما يحدث الآن من حرب إبادة في غزة وجرائم حرب واقتحامات ومداهمات في الضفة لهو أكبر دليل على وهم السلام مع إسرائيل. ومن هنا فإن الحال وبعد ما يقارب من أكثر من ثلاثين عاماً يؤكد على أن الصهاينة لا يريدون سلاماً يضمن عودة الحقوق للشعب الفلسطيني وقيام دولة فلسطينية ولن يسمحوا بذلك البتة، فالسلام مع الصهاينة الذي يحقق للفلسطينيين مطالبهم وحقوقهم، هو أمر يمكن ضمه إلى قائمة المستحيلات ليكون رابع المستحيلات. مالم يتم فرض هذا السلام بقوة الضغط الدولي السياسي والاقتصادي وفي مقدمة ذلك أمريكا وبريطانيا، وإجبار إسرائيل على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة. فلو تم وقف المساعدات العسكرية والمالية والسياسية لانكشفت قوة الصهاينة المزعومة وتبين للعالم هشاشتها، كما أن اتحاد الشعب الفلسطيني تحت لواء واحدة بكل فصائله ومن ثم توحيد السبل والوسائل لمقاومة ومواجهة الصلف الإسرائيلي بعزيمة وقلب رجل واحد، يقطع الطريق على إسرائيل وداعميها، باتهام المقاومة بالإرهاب، فإسرائيل لا تستطيع مواجهة الشعب الفلسطيني بكامله. لأنهم أصحاب حق والحقوق لا تضيع متى ارتفعت وتيرة المطالبة بهذه الحقوق.
والله غالب على أمره من قبل ومن بعد.



