حصن عصيدان بين الماضي والحاضر

أ. عثمان بن احمد الزهراني
استنهضني قلمي أن أَكتب عن قريتي ومسقط رأسي قرية شبرقة بزهران ذات الجمال والجبال الشاهقة التي تحتضن قلعة البطل عصيدان رحمه الله ، تلك القلعة التي أخرجت لنا تأريخاً يربو على (مئتي عام) تحطمت عليه أطماع دولة بني عثمان التركية إِبّان غزوها زهران وغامدوكتبت هذه القلعة التأريخ لِتُشْهِد للأجيال من بعدهم أن أجدادهم حماة للديار وبغاة على العداة الأشرار.
نعم قرية شبرقة صفحات من الحضارة والتأريخ انجبت النجباء وبرز منها قادة عظماء وما زالت تلك القرية ولاّدة للمبدعين فخرج منها في الحاضر أساتذة جامعات وقضاة ، ورتب عسكرية عالية.
ألوية وعمداء، ومهندسون وأطباء وطلاب علم.. ومعلمون ومديري إِدارات حكومية ورجال إِعلام ومؤرخون وكتَّاب فالقرية تزخر بلوحة فنية جميلة ذات مواهب متعددة وهي مركز مشيخة قبيلة بني حسن بزهران.
وكان قَدَرُ هذه القرية أَنِ انطلقت منها شرارة المعركة مع جنود الباشا وبدأت فصولها من أعلى جبل البراقة وكان العثمانيين لديهم عِلْم اليقين أن مركز القيادة – قيادة زهران – في هذه القرية ومتى استطاعوا حصار حصونها والقبض على رموزها كانت لهم – العثمانيون – المنعة والغلبة يرهبون عباد الله ويسلبون أموالهم ويعتدون على اعراضهم ويهلكون الحرث والزرع ويبسطوا هيمنتهم وكبرياء الأتراك أنذاك ويستعبدون الناس.
وكانت مشيئة الله تعالى أَن تبقى هذه القرية وحصونها وقائدها ورجالات زهران عصيّة، وصخرة قوية، يتحطم عليها الطغيان العثماني.
لم يدُر بخلد القائد عصيدان أن حِصْنه سيكون يوماً ما شاهداً للتأريخ وأن العلم السعودي سيرفرف فوق هامته فهذا شعاره ولامته.
وأن أحفاده وهيئة التراث ستجعله أحد معالم التراث بمنطقة الباحة ويصبح فيما بعد مقصداً للسائح والزائر للمنطقة.
القائد عصيدان عمل هو ورجالاته بإخلاص وتفانٍ لحب وطنه والدفاع عن ارضه وعِرضه وكان ثمرة إخلاصه أن يبقى مجده شاهداً بين الحاضر والماضي.
وفي شهر ربيعٍ الآخر من العام ١٤٤٦هـ. تم تدشين قلعة عصيدان بحضور عدد من المسؤولين وأهالي قرية شبرقة يتقدمهم شيخ قبيلة بني حسن الشيخ مبارك منسي عصيدان في حفل بهيج تخلله حفل خطابي ثم العرضة الشعبية ومشاركة فرقة الباحة للمشاة وأقاموا فعاليتهم تحت شعار (امشي من أجل صحتي) بدأت من قلعة آل عصيدان حتى شلال وادي العشيماء بإِيما من إمارة منطقة الباحة وتوجيهات قائد التنمية بمنطقة الباحة الأمير الدكتور حسام بن سعود ثم أقام شيخ القبيلة مأدبة عشاء تكريماً للمشاركين.
وهنا يتساءل الكاتب ماذا لو حضر التدشين أحد المشاركين في صدِّ عدوان جيش الباشا ؟ قطعاً ستدمع عيناه!! وهو يتذكر القائد عصيدان ورجالات زهران وهم على شعاف جبال قرية شبرقة يترقبون الغزاة الأتراك.
ويتذكر ماذا كان يجرى في المجلس الاستشاري بالقلعة بالدور الثاني من هذا الحصن ؟؟ والقائد يعبئ قادة الفرق
الذين عيَّنهم في مواقع التماس والخطوط الأمامية أن يثبتوا ويحموا ظهورهم ولايبرحوا أماكنهم.
والجميع يعلمون أن الإمبراطورية العثمانية في ذلك الوقت تمتلك جيشاً مدرباً وسلاحاً متقدماً وقادات عسكرية محنكة وخطط حربية مرسومة كل هذا سيجعلهم أكثر ثباتاً وفداءً لأرضهم وحفظاً لوصية قائدهم ويعلمون ان هناك مخذِّلون ومندسّون إن لم يكونوا بينهم فهم من حولهم!!!
ومن استقرأ التأريخ عرف أن معظم الحروب كانت تدار قبل وقوعها بزرع جواسيس لاختراق الصفوف وبث الرعب والشائعات لكسر وهزيمة الآخر والناس في هذا الوقت كانوا في حاجة ماسّة للغذاء والكساء والمال.
والجيش التركي يمتلك المال ليغري به هؤلاء !!! وما أكثر الخيانات في لحظة الأزمات!!!
لكن القائد عصيدان رحمه الله ورجاله المقربين كانت الأرض والعِرْض والكرامة ونشوة النصر وكسر كبرياء الإمبراطورية العثمانية أحبَّ إليهم من أموال الدنيا لذلك كانت صفوف القادة محصنة من الداخل.
فالأيمان الراسخ والعهد والميثاق والإخلاص للقائد وإرهاب عدو الله وعدوهم كان حاضراً في قلوبهم وأذهانهم ولو يبادون عن بكرة أبيهم فحملوا أرواحهم على أكُفِّهم متوكلين على الله وإن هوت بهم الريح في مكانٍ سحيق وحالهم كم من فئة قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله والله مع الصابرين.
لم تكن هناك وكالات أنباء عالمية تلتقي مع القائد عصيدان ليخبرهم بسلاحه المتطور ولم تكن هناك وسائل إعلام محلية تجري لقاءات مع قادة المعركة ولم يكن هناك مشاهير يلهبون حماس جماهير الناس ويصفقون وتُدق طبول الحرب بل تم تأمين النساء والأطفال في اماكن امينة فكانت هناك السكينة والسرية والشجاعة وحُب الوطن امام أعينهم ولسان حالهم فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان.
فلم تعجبهم كثرتهم وهم يعلمون أن النصر من عند الله وهذا هو سر نصر المسلمين على اعدائهم في كل زمان ومكان.
واليوم ولله الحمد والمنة في ظل حكومة خادم الحرمين الشريفين بقيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز (الدولة السعودية الثالثة) استتب بها الأمن ويعيش الناس رغد العيش والولاء والطاعة للقيادة ولله الحمد.
وتمضي السعودية العظمى نحو مصاف الدول العظمى مع عرَّاب رؤيتها 2030 ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
ومن لايشكر الناس لايشكر الله.
أشكر رجل المال والأعمال الشيخ سعيد العنقري على العطاء وبذل السخاء.. على مبادرته المجتمعية في تحسين وترميم قلعة عصيدان فليس بغريب عليه أن يرمى بساهم جوده على بني قومه متعه الله بالصحة والسرور، وزاده البارئ من خيره في صحته وماله وأسرته.
كما نشكر مشاهير التواصل الذين نقلوا لنا الحدث والحديث عن حصن عصيدان.
رحم الله عصيدان ورجاله تركوا بصمة للأجيال موسومة (بوطنٍ لا نحميه لا نستحق الإقامة فيه).



