news.ahwal@gmail.com
اليوم الوطنيمقالات

من وحي ذكرى توحيد المملكة

شهوان بن عبد الرحمن الزهراني

 

     توحيد هذا الكيان العظيم على مساحة شاسعة شملت كافة أجزاء الجزيرة العربية – إلا قليلاً منها – في مدة ليست طويلة في عمر الزمن حين برز للعالم كله هذا الوطن الشامخ تحت راية التوحيد بمسمى المملكة العربية السعودية في ظل قيادة المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود يرحمه الله، ولم يكن توحيد هذه المناطق والقبائل والعشائر تحت كيان واحد مجرد صدفة، ولا قوة غاشمة تملك العدة والعتاد والجيوش الجرارة والتدريب على شنّ الحروب على الآخرين بحق أو بدون حق، بل كانت العدة والعتاد قليلة لا تنبئ عن سرعة الوصول إلى نتائج كبيرة ولا تشير إلى انتصار كاسح. ومن هنا فالأمر يقتضي التمحيص والتدقيق والنظر العميق في الأسباب التي ساهمت في هذا الإنجاز العظيم وكانت وراء توحيد الكيان الكبير. 

     إن العقلاء ينظرون بعين فاحصة ويدققون ويبحثون من خلال قراءة التاريخ واستلهام المعاني العميقة في أسباب هذا الإنجاز والنجاح والتوفيق والنجاح والقدرة على توحيد المملكة العربية السعودية رغم إن البداية كانت تعاني من قلة العدة والعتاد والرجال،  علاوة على كثرة الأعداء وما يملكونه من عدة وعتاد وجيوش تملك الخبرة والتدريب على القتال ولم تكن موازين القوى متكافئة بين ما يملكه المؤسس يرحمه الله وبين ما لدى خصومه وأعدائه.  

     ونحن في هذا البلاد الطيبة هذه الأيام نعيش ذكرى توحيد المملكة (الواحدة والتسعين) وفي ذات الوقت نرى من حولنا الأحداث المؤلمة وبخاصة في عالمنا العربي ومن هنا فإن ذكرى التوحيد توحي لنا بكثير من المعاني الكبيرة وتدل على حقائق لا يمكن إغفالها أو تجاوزها فيبرز لكل عاقل السؤال الكبير هو: ما الأسباب التي ساهمت في انتصارات المؤسس المتلاحقة حتى تسنى له توحيد هذا الكيان الكبير؟!

     والجواب على ذلك: إن من توفيق الله عز وجل للمؤسس أنه وضع في الحسبان وعقد العزم على تحقيق هدف هو غاية في الأهمية وهو أن يسير على منهج شرع الله سبحانه وتعالى ليكون هو الأساس الذي يسعى لتطبيق أحكامه ويسير في ضوئه في مواجهة الخصوم، ولهذا فقد اتخذ منهج الإسلام ومن معطيات ومضامين اتفاق الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب يرحمهما الله منطلقاً ومنهجاً يسير عليه وبخاصة إن تلك الدعوة قد تأثرت بغياب القوة التي كانت تقف بجانبها وتحميها حينما انتهت الدولة السعودية الثانية، فكان المؤسس يرى أن النهوض بمهام تجديد تلك الدعوة وإحيائها، وبثّ الروح فيها وحمايتها من الزوال أمر يقتضيه واجبه الديني كمسلم وتستدعيه مسؤولياته كوارث لحكم أبائه وأجداده حيال إعادة سيادة الدولة السعودية على هذه البلاد، فنهض المؤسس بهذه المهمة، وأخذ على عاتقه إعادة نشر الدعوة وبسط نفوذ الدولة وسيادتها على تلك البقاع والأقاليم والمناطق التي كانت تحت نفوذ حكم أبائه وأجداده فكان في هذا مظهر من مظاهر نصر الله جل وعلا للمؤسس كما قال الله سبحانه وتعالى:[ إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ.] وهذا هو وعد الله سبحانه وتعالى. ووعده حق فمن يتعاطى أسباب النصر، ثم يتوكل على مولاه وحده جلّ جلاله ويسير وفق منهج الله وسنته في خلقه ويتبع سبيل المؤمنين على منهج محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يكون في مكانة عالية محفوفاً بنصر الله وتوفيقه، وقد قال الله جلّ جلاله:[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ. ] فمقومات النصر والعزة إنما تكون في الالتزام بمبادئ وأحكام الإسلام فقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه:” إنّا كنّا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله.” والتاريخ ليس مجرد أرقام ووقائع بل هو عبر وعظات وحقائق وبينات، نستلهم منه حقيقة واحدة لا تقبل الشك ولا الاختلاف فهي قول حكيم خبير:[ إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ] ومن ثمّ فإن من لا ينصر الله تعالى ولا يقيم منهجه فلا ينتظر النصر ولا العزة مهما ابتغى، وتلك هي سنة الله التي جرت.

ولقد وفق الله جل وعلا مؤسس هذا الكيان عبد العزيز آل سعود حين عقد العزم على إعادة نشر الدعوة إلى الله وإعلاء كلمة التوحيد وجمع شتات هذه البلاد فكان النصر حليفه، والتمكين نتيجة جهوده.  

    إن رصيد القيم والمثل والأخلاق وعظمة الأهداف النبيلة والسعي الحثيث لتحقيق المقاصد الشرعية الضرورية المعلومة من الدين بالضرورة والسعي لإعلاء كلمة ” لا إله إلا الله محمد رسول الله ” والسعي لتطبيق أحكام الشرع الحنيف والدعوة إلى الله عز وجل ونصر الدين كلها مقومات وأسس تؤدي إلى النصر والتفوق والعزة. ومن هنا فقد كان هذا الرصيد العظيم من أهم الأسلحة التي كان يملكها المؤسس ورجاله، فعظمت الأهداف هي التي يخلدها التاريخ لا مجرد الأفعال. فدانت للمؤسس يرحمه الله المناطق وانضوت تحت لوائه، وسقطت مقاومة الخصوم تباعاً كتساقط أوراق الخريف وذلك لهشاشة مبادئ المقاومة ورصيدها الخالي من المُثل والقيم والأخلاق وسمو الأهداف والمقاصد. والسبب في ذلك ثقة المؤسس ورجاله في وعد الله سبحانه وتعالى وأنه حق وأن الله لا يخلف الميعاد فعملوا بمبدأ ومقومات تحقيق النصر وطبقوا قول الله سبحانه وتعالى:[ إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ.] فكان لهم ما أرادوا وتحقق فيهم قول الله جل وعلا:[ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ.]

     ولا شك إن الضمانة لبقاء هذا الكيان الشامخ في منزلته العالية ومكانته السامية يتطلب الالتزام والحفاظ على ذلك الرصيد الكبير من المُثل والقيم والمبادئ والأخلاق وتطبيق شرع الله ليكون النصر بإذن الله يرفرف دائماً على أرجاء الوطن.  

ونسأل الله تعالى أن يديم على وطننا الحبيب نعمة الأمن والتمكين، وأن لا يغير علينا ما ينال من مكتسبات هذا الوطن الكبير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى