مقالات

أمانة رجال زهران ونزاهتهم

المؤرخ/ علي بن محمد بن سدران

Listen to this article

في عهد الجور والطغيان والاستبداد العثماني لسكان الجزيرة العربية أرسل محمد علي، حاكم مصر جيشا من المصريين وبعض المرتزقة لاحتلال عسير، سنة(1249هـ) وأوكل قيادته لشريف مكة الشريف محمد بن عون، ولما وصل الجيش إلى العقيق(عقيق غامد) خيم هناك في انتظار مجيء شريف مكة،” فقام شيخ وادي زهران الشريف منصور بتجهيز الجيش للغداء” من جيوب أبناء زهران المشاركين في الحملة بإكراه من هذا الشريف الذي تولى إمرتهم من قبل شرافة مكة في وقت سابق.

  وهذا الشريف :” استعد لأحمد باشا، أن يكون على رأس الفين من رجاله للمشاركة في الحملة” للاستزادة من الممكن الاطلاع على مؤلف موريس تاميزيه في مؤلفه رحلة في بلاد العرب، الحملة المصرية على عسير، موريس تاميزيه 1249- 1834م، ص٩٦ ترجمة وتعليق محمد بن عبد الله آل زلفة، الرياض، 1993. لكن رجال زهران خذلوه لعدم قناعتهم السير لحرب عسير، فلم يسر معه بالجبر والإكراه سوى ستمائة وخمسين رجلا.
  ولما جرى تقديم الشيوخ للقائد (أحمد باشا) تحدث الأخير إلى كبارهم ثم تساءل! مالي لا أرى أمامي إلا القليل من الرجال؟ فرد أحد كبار الشيوخ قائلا: نحن ستمائة وخمسون رجلا إنه عدد الرجال الذين جاؤوا تلبية لطلب شيخنا الشريف منصور. قال أحمد باشا لكبير جيش الشريف منصور: أنا أعرف أن الشريف منصور، حليفنا المخلص وقد وعدنا بألفي رجل وسيحافظ على وعده، لذلك إذا كان البدو قد تجاهلوا هذا فإنه بسبب عصيان بعض الشيوخ ولكن يجب أن يوجه لأولئك العصاة إنذار بأنهم إذا لم ينضموا للمشاركة معنا في الحملة قبل تحركنا من هنا فإنني أقسم بالله أن أقطع رؤوسهم وعليكم بإبلاغهم هذا “ص١١٤ موريس”. 

  وهذه العنجهية والغرور والتسلط والتعالي هي رمز القادة العثمانيين، فقد جاء في هذا الكتاب قول أحمد باشا لمندوب عسير : لم يبعثني محمد علي، لأجمع نقودًا من هذه البلاد ، وإنما بعثني لأكون سيد عسير..” المصدر السابق ص 52″ لكن الله أركسه وأركس مَن بعثه وبقيت عسير الهول حرة أبية.
   ولما وصل الشريف واستراح واصل الجيش تقدمه باتجاه عسير، فتلاقى الجيشان في أكثر من معركة وقد صمد رجال عسير الأشاوس، في مقاومة هذا الاستعمار العثماني البغيض وهبّوا بما أوتوا من قوة ووقفوا في وجهه وقفة صادقة أدالت منه وحطمت كبريائه، وقد قيل: (موت فِي عز، خير من حياةٍ فِي ذل وَعجز) وكان هدف المستعمِر بعد الاستيلاء على عسير، تتريك العرب، ومسخ شخصيتهم العربية الإسلامية وتمييعها. وفرض الهيمنة على مناهج التعليم للقضاء على كل معالم الشخصية العربية والإسلامية بحيث لايعرف العربي المسلم أصله ولا دينه ولا لغته العربية.
  وقد تعرضت الجزيرة العربية إذْ ذاك لعدة حملات من الدولة العثمانية الغاشمة، ما كان منها بأمر من السلطان العثماني للقضاء على الدولة السعودية ونفوذها الذي امتد ليشمل معظم أنحاء الجزيرة العربية.. ومنها ما كان بدوافع ذاتية من لدن حاكم مصر (محمد علي الألباني) الذي أعلن في فترة من حكمه على مصر استقلاله عن السلطان العثماني. انظر مقدمة الحملة المصرية على عسير .
  بعد هذه الديباجة القصيرة نخلص إلى ما أورده الكاتب عن رجولة وشهامة ووفاء رجال زهران المشاركين في تلك الحملة الجائرة والتي تنم عن نزاهتهم وأمانتهم التي يُضرب بها المثل، فإن من عادة المحتل أن يقتل ويسلب ويأسر ويغنم ويدمر كل ما تقع عليه عينه. لكن مقاتلة زهران لم يكن هذا من شأنهم إنهم شرفاء اعتادوا على احترام أهل البلد والمحافظة على ممتلكات الأهالي وكأنها ممتلكاتهم. وهذا الجيش من المرتزقة وقادته الأتراك مثالا للخسة والنذالة لأنهم دمروا كل شيء وقع في طريقهم، وهو أنموذج لما كان يقوم به قادة الجيوش التركية في كل أرض يطؤنها، فهم يحرِّضون جيوشهم على إفساد كل شيء يمرون عليه، ولذا فإن أفراد هذا الجيش لما وصل وادي شهران، شرّد سكانه منه وأخذ يزاول هواياته الهمجية التي اعتادها كل جيش عثماني من دمار وهدم وحرق حتى تركوا الوادي قاعًا صفصفا لا أثر فيه للحياة ، يقول الكاتب: “ظهر بعض الْمُلاّك من وقت لآخر على قمم الجبال المجاورة يشاهدون ببالغ الحزن ازدياد السلب والنهب، ويبدو عليهم الخوف وهم يرون أرضهم وقد جُرِّدت وحولت إلى أرض قاحلة وكانوا ينتظرون ببالغ اللهفة مغادرة هؤلاء البرابرة لبلادهم..” المصدر السابق:ص257 . ولهذا يقول الكاتب في هذا الكتاب مشيدًا بأمانة رجال زهران ونزاهتهم وعدم تعديهم على ممتلكات العسيريين: “أن رجلا من سكان مناظر قُتل في معركة خميس مشيط، أما زوجته وأطفاله فقد لجئوا إلى السقا تلك القريبة إلى حد ما من ريدة، وعندما علمت الأرملة بأن المصريين احتلوا مناظر خافت على بيتها لأنها تعرف أن زوجها قد خبأ كل ثروتهم في مكان ما داخل البيت قبل أن يخرج للجهاد، وكانت تأمل أن تحصل على تلك الثروة عند انتهاء الحرب، ولكن الأخبار التي وصلت إلينا أن المرأة الأرمل غادرت السقا طلبا للأمان من الباشا، وسألها الجنرال : ماذا تريدين؟ فأجابت المرأة: أسألك المساعدة يا حضرة الجنرال وأنا أعرف عن كرمك ولذا آمل أن أحصل على تلك المساعدة. تكلمي أيتها المرأة. أطلب منك أن تسمح لي بالعودة إلى بيتي لآخذ أمتعتي. من الذي يسكن في بيتك اليوم، رجال من وادي زهران. هل هي أمتعتهم التي تودين الحصول عليها ؟ أقسم إنها أمتعتي أنا. هل تعتقدين بأن أولئك العرب ما زالوا يحتفظون بأمتعتك؟ أظن ذلك. حسنا اذهبي وخذي ما يخصك. بارك الله فيك ولكني أنا أرملة ضعيفة وبحاجة إلى قليل من الجنود يرافقونني. سأبعث معك بعض الجنود المستعدين للمحافظة على سلامتك وأخير وصلت المرأة إلى بيتها حيث وجدته في حالة ممتازة لأن النزلاء الجدد كان يهمهم الحصول على منزل مريح فقط لذلك لم يعبثوا به ولم يغيروا شيئا من وضعه. أشارت المرأة إلى نقطة في السقف وقام الجنود بعمل فتحة في الجدار وعثرت المرأة المحظوظة على مائة ريال فرنسي كان زوجها قد خبأها هناك، ثم نزلت إلى الطابق الأرضي من منزلها حيث أزاحت عمودا صغيرا وأشارت للجنود إلى فتحة صغيرة وعندما قاموا بفتحها عثروا على قمح وذرة وأوعية كثيرة من الطعام ، كانت سعيدة بما عثرت عليه وعادت إلى السقا تحمل كل ثروتها”. المصدر السابق ص 338 .
   فتحية إجلال وإكبار لرجال زهران العناصي الأوائل منهم والأواخر.


 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى