مقالات

يوم الوطن السعودي.. توحيد الأمس ورؤية المستقبل

Listen to this article

أ. صالح بن خميس الكناني

يطلّ اليوم الوطني على المملكة العربية السعودية في يومنا هذا 23 سبتمبر من كل عام، ليعيد إلى الذاكرة ذكرى تاريخية خالدة،  توحيد أرجاء الوطن تحت راية واحدة عام 1351هـ / 1932م على يد الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود – طيّب الله ثراه – بعد عقودٍ من الفرقة والصراعات القبلية التي كثيرًا ما دارت حول الكلأ والماء.

وبفضل الله ثم بفضل حنكة القائد المؤسس، توحّدت الأرض، واجتمع الشعب، لينعموا بالاستقرار والتنمية، وليكتبوا مع قيادتهم صفحات المجد والبناء.

مراحل مضيئة في تاريخ الدولة

منذ إعلان التوحيد، انطلقت مسيرة التنمية بقيادة الملك عبد العزيز، وواصل أبناؤه الملوك سعود، فيصل، خالد، فهد، وعبد الله – رحمهم الله – تعزيز وحدة الوطن وتطوير مؤسساته.
واليوم، نعيش في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز – حفظه الله – وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، مرحلةً جديدة من التحوّل التاريخي، تجسّدها رؤية السعودية 2030 التي تمثل خارطة طريق تقود المملكة إلى مصاف الدول العالمية المتقدمة.

ومن المناسب في هذه المناسبة الوطنية أن نستحضر مآثر الملك المؤسس، الذي أرسى بقراراته التاريخية دعائم الدولة الحديثة، عبر توجيهاته ومراسيمه وأنظمته التشريعية التي شملت المكان والإنسان في كل شبرٍ من أرض المملكة، الممتدة من الخليج شرقًا إلى البحر الأحمر غربًا، ومن الاردن، والكويت والعراق حتى اليمن وعُومان جنوبًا.

إمارة زهران.. من وحدة الأرض والإنسان

ومن بين القرارات المضيئة أمر الملك عبد العزيز – رحمه الله – بإنشاء إمارة زهران في المندق، كما يروي المؤرخ علي السلوك – رحمه الله – في كتابه وثائق من التاريخ (يناير 2002م، ص 385–393)، حيث أُنشئت الإمارة بموجب المرسوم الملكي رقم (165) بتاريخ 19/3/1353هـ، لتكون نموذجًا للوحدة الوطنية بين القبائل وتأكيدًا على ترابط الأرض والإنسان تحت راية واحدة.

ويُعدّ هذا المرسوم من أبرز الوقائع التاريخية المرتبطة بالمنطقة الحجازية، ومنها قبائل زهران. فقد جاء ذلك الامر الكريم بعد لقاء الملك عبد العزيز بشيوخ زهران في الطائف عام 1351هـ، حين طلبوا إنشاء إمارة خاصة بهم، وهو ما شكّل مرحلة مفصلية في علاقتهم مع الدولة السعودية الناشئة.

وكما يروي الشيخ محمد بن أحمد بن خضران الزهراني عن والده أحمد بن خضران رحمه الله أن وفدًا من قبيلة بني حسن، يتقدمه الشيخ أحمد بن عصيدان – رحمه الله – توجه عام 1351هـ إلى قصر شبرا في الطائف للسلام على الملك عبد العزيز وتهنئته بتوحيد المملكة.

وخلال اللقاء، عرض الوفد معاناتهم من بُعد إمارة الطائف عن بلاد زهران، وما يلاقونه من مشقة في مراجعة معاملاتهم، وطلبوا إنشاء إمارة خاصة بهم. فاستجاب الملك عبد العزيز قائلًا: «سوف أرسل لكم رجلًا موثوقًا، وأضع عنده برقية يأتيني الخبر من يومه».

وبناءً على ذلك، صدر المرسوم الملكي رقم (165) بتاريخ 19/3/1353هـ بإنشاء إمارة زهران في قرية المندق، وتلاه المرسوم رقم (166) في اليوم نفسه بتعيين تركي بن ماضي أميرًا لها. ثم وصل الأمير تركي بن ماضي إلى المندق في 1/4/1353هـ، وبعد أيام صدر المرسوم الملكي رقم (183) بتاريخ 22/3/1353هـ بان تكون قرية الظفير مركزاً لإمارة زهران.

لكن الإمارة ماليت ونُقلت لاحقًا إلى بلجرشي جنوب المنطقة، فوجد سكان شمالها وغربها صعوبة كبيرة في مراجعتها لبُعد المسافة وغياب المرافق اللازمة. فتقدّم مشايخ وأعيان زهران، يتقدّمهم الشيخ خضران بن عطية آل خضران (ت 1389هـ)، بطلب للملك فيصل – رحمه الله – لنقل الإمارة إلى رهوة البر موقع أكثر مركزية.

تقرير ابن رداس ونقل الإمارة إلى الباحة

فأمر الملك فيصل بتشكيل لجنة، كان من أبرز أعضائها الأديب والشاعر عبد الله بن رداس (1342–1437هـ) – رحمه الله – الذي كتب تقريرًا مستقلًا عن معاناة الأهالي. وقد عرضه على وزير الداخلية حينها الأمير فهد بن عبد العزيز – الملك فيما بعد – طلب منه عرض على الملك فيصل.

وبحسب ما رواه ابن رداس، فقد عرض تقريره على الملك فيصل في الديوان الملكي، وقال له زهران من ذمي في ذمتك موضحًا صعوبة مراجعة الأهالي للإمارة في بلجرشي، ومقترحًا نقلها إلى الباحة نظرًا لقربها من زهران، إذ إن الرهوة – التي اقترحها زهران لتوسطها بين غامد وزهران – لم تكن مأهولة آنذاك.

فأصدر الملك فيصل قراره بنقل مقر الإمارة إلى الباحة عام 1383هـ، حيث بقيت حتى اليوم مقرًّا لإمارة المنطقة، في دلالة على حرص القيادة على تلبية احتياجات المواطنين وتعزيز الاستقرار والتنمية.

الشعب والقيادة.. وحدة راسخة

منذ بيعة زهران للملك عبد العزيز عام 1338هـ، وأبناء القبيلة – كغيرهم من أبناء الوطن – في خدمة الملك والوطن، فمنهم من حمل السلاح دفاعًا عن البلاد، ومنهم من انخرط في مؤسسات الدولة وقطاعاتها المتعددة، لتتجسد روح التلاحم بين الشعب والقيادة في مسيرة متواصلة من العطاء.

واليوم، ونحن نحتفي باليوم الوطني الـ95، نؤكد أن هذه المناسبة ليست مجرد ذكرى للتوحيد، بل هي تجديد للعزم على مواصلة البناء، خصوصًا في العهد السلماني ومع رؤية 2030 التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – بشعلة الإصلاح والتنمية نحو مستقبلٍ واعد.

اليوم الوطني.. وفاءٌ للتاريخ وتطلعٌ للمستقبل

إن اليوم الوطني السعودي هو يوم الوفاء للتاريخ، والاعتزاز بالحاضر، والتطلع إلى المستقبل. وهو مناسبة نستذكر فيها عظمة الإنجاز الذي تحقق، ونستمد منها القوة لمواصلة المسيرة تحت راية التوحيد وقيادة حكيمة وضعت الوطن والمواطن في قلب كل مشروع ورؤية.

فلتسِر سفينة الوطن بقيادة آل سعود حتى يرث الله الأرض ومن عليها، دون أن ينال منها حاسد أو حاقد، فقيادتنا – الملك سلمان وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان – هما صمام الأمان والسد المنيع.
دمت يا وطن العز، ودامت قيادتك وشعبك على أرض الطهارة وبلاد المقدسات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى