الرئيسية
طفرة إصابات الملاريا تدق ناقوس الخطر

أحوال – عبد الله صالح الكناني
تُعدّ الأمراض المنقولة عبر البعوض من أخطر تحديات الصحة العامة عالميًا، لما تتسبب به من مخاطر جسيمة وانتشار واسع في عدد كبير من الدول. وقد حذّرت منظمة الصحة العالمية في تقرير حديث من ارتفاعٍ ملحوظ في أعداد الإصابات والوفيات الناجمة عن الملاريا خلال العام الماضي، في ظل تراجع التمويل المخصص لمكافحتها وتزايد خطر مقاومة الطفيلي للأدوية.
ووفق التقديرات، جرى تسجيل نحو 282 مليون حالة ملاريا وقرابة 610 آلاف حالة وفاة خلال عام 2024، بزيادة تقارب تسعة ملايين حالة و12 ألف وفاة مقارنة بالعام السابق.
وتتحمّل 11 دولة إفريقية نحو ثلثي إجمالي حالات الوفاة والإصابة بالملاريا على مستوى العالم، فيما أكدت منظمة الصحة العالمية أن جهود خفض معدلات الوفيات لا تزال بعيدة عن المسار المستهدف.
وأشار غاريث جينكينز، المدير العام لمنظمة Malaria No More UK غير الربحية، إلى أن هذه الزيادة تشكّل مؤشرًا مقلقًا على تفاقم الأزمة، خاصة مع تراجع الدعم المالي المخصص لبرامج المكافحة.
ومن ما سبق: ما هي الملاريا ولماذا خطرها ما زال قائمًا؟
-
الملاريا مرض طفيلي ينقله بعوض من نوع أنوفيلس (Anopheles). عند لدغ الشخص، تنتقل الطفيليات إلى مجرى الدم، وتهاجم خلايا الدم الحمراء، مسبّبة حمى، قشعريرة، تعب شديد، وقد تتطوّر إلى فشل كلوي أو نزيف دموي — خصوصًا إذا لم يُعالج مبكّرًا.
-
المرض كان سببًا رئيسيًا لمعدلات وفيات عالية في الدول الاستوائية، لكن خلال العقدين الماضيين تم إحراز تقدم ملموس بفضل أدوات وقاية وعلاج.
أين ينتشر الملاريا الآن — وبأي منطقة العبء الأكبر؟
-
بحسب أحدث تقرير منظمة الصحة العالمية (WHO) لعام 2025، ظهر أن الإقليم الأفريقي يتحمّل العبء الأكبر عالميًا: حوالي 94–95٪ من الحالات والوفيات.
-
بعض الدول الأفريقية تواجه أعباء هائلة بسبب الفقر، ضعف الأنظمة الصحية، وتفشيات المرض المتكررة.
-
رغم ذلك، هناك دول نجحت في القضاء على الملاريا بالكامل — حيث حصلت على شهادة “خالية من الملاريا” بعد أن قطعت سلسلة انتقال المرض محليًا لسنوات.
-

واقع 2024–2025: تراجع مسار المكافحة
-
في عام 2024، أظهرت بيانات WHO أن عدد الإصابات بلغ حوالي 282 مليون حالة، بينما بلغ عدد الوفيات نحو 610,000.
-
هذه الأرقام تمثل زيادة مقارنة بعام 2023، ما يعكس تراجع المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية.
-
نصف المآسي تقع بين الأطفال دون سن الخامسة، في مناطق ذات موارد محدودة.
كيف كان يُكافَح المرض سابقًا؟ وما أدوات الوقاية والعلاج؟
خلال العقود الماضية، استندت الاستجابة العالمية على:
-
ناموسيات معالجة بالمبيدات (Insecticide-Treated Nets, ITNs) لحماية الأسر من لدغات البعوض.
-
رش مبيدات في البيئات السكنية والريفية لتقليل تجمع البعوض.
-
علاج دوائي يعتمد على الأرتيميسينين (Artemisinin) ومركّباته — بعد أن فشلت أدوية قديمة مثل الكلوروكين.
-
لقاحات ضد الملاريا — منذ 2021 اعتمدت WHO أول لقاح، وتم إدخالها إلى برامج التحصين في عدة دول، إلى جانب أدوية وقائية للأطفال في مواسم الذروة.
-
كشف مبكر ومعالجة مجانية في كثير من الدول الفقيرة — ما ساهم في إنقاذ حياة ملايين.
بفضل هذه الجهود، منذ عام 2000 حتى اليوم، تمكنت الجهود العالمية من تجنّب أكثر من 2.3 مليار حالة و حوالي 13–14 مليون وفاة.
لماذا ظهر الانتكاس مجددًا؟ التحديات الراهنة
1. مقاومة الدواء والمبيدات
-
طفيليات الملاريا بدأت تُظهر مقاومة جزئية لمركّبات الأرتيميسينين في عدة دول أفريقية.
-
البعوض أيضاً يطوّر مقاومة للمبيدات مستخدمة في الناموسيات أو الرش — ما يقلّل فعالية أكثر أدوات الوقاية شيوعًا.
2. تغيّر المناخ وتوسع المواطن البيئية للبعوض
-
الفيضانات، ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة هطول الأمطار في مناطق كانت خالية من المرض، أدّت إلى توسع نطاق البعوض وارتفاع مخاطر انتشار الملاريا في أماكن جديدة.
3. خفض التمويل الدولي والمساعدات
-
في 2024 بلغ التمويل العالمي المخصص لمكافحة الملاريا نحو 3.9 مليار دولار فقط — مقارنة بالـ 9.3 مليار دولار التي تقول الهيئات الصحية إنها مطلوبة لتحقيق الأهداف.
-
هذا الانخفاض شكل فجوة كبيرة في التغطية الوقائية والعلاجية في الدول الفقيرة، وزاد من خطر التفشيات.

4. ضعف أنظمة الصحة والإصلاحات في الدول المتأثرة
-
النزاعات أو ضعف البنية التحتية الصحية يمنع الوصول إلى خدمات التشخيص، العلاج، والتطعيم — خاصّة في المناطق النائية أو المتضررة.
الجهود الدولية الحالية: ماذا يُفعل الآن؟
-
مواصلة نشر الناموسيات المعالجة بالمبيدات من الجيل الجديد — وهي أكثر فعالية ضد البعوض المقاوم.
-
توسيع برامج لقاحات الملاريا في دول أفريقية، لا سيّما للأطفال في الفئة الأكثر عرضة للوفاة.
-
العلاج والكشف المبكر — توزيع الأدوية مجانًا، وتحسين الوصول إلى الرعاية الصحية، وفحص حالات مشتبهة بشكل أسرع.
-
برامج رشّ مبيدات جماعية، ورش بيئية في المناطق الموبوءة، إلى جانب حملات توعية مجتمعية لتجنب لدغات البعوض.
-
دعم من جهات دولية وحكومات — مثل الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا (The Global Fund)، الذي يستحوذ على نسبة كبيرة من التمويل الدولي للمكافحة.
هل يمكن أن يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في مكافحة الملاريا؟
نعم ويبدو أن الذكاء الاصطناعي (AI) يمكن أن يكون أداة فعّالة في:
-
تشخيص أسرع وأكثر دقة: تحليل صور مجهرية لعينات الدم عبر خوارزميات تعلم آلي يكتشف الطفيليات حتى في حالات منخفضة التركيز.
-
تتبع الانتشار والتنبؤ بتفشيات: باستخدام بيانات مناخية، جغرافية، سكانية — يمكن التنبؤ بـ “بؤر ساخنة” قبل انتشار المرض، لتوجيه الموارد الوقائية بشكل استباقي.
-
تصميم أدوية ولقاحات جديدة: تحليل جيني للطفيليات المتحورة، ومحاكاة تأثير الأدوية على سلالات مقاومة، ما يسرّع تطوير علاجات فعّالة.
-
إدارة البيانات الصحية على نطاق واسع: دمج بيانات التشخيص، المناخ، الهجرات، البنية التحتية الصحية لتخطيط الاستجابة بشكل دقيق واستهداف الفئات الأشد ضعفًا.



