المجتمع

حين تنتصر «الأنا»… يخسر الإنسان

سوء الفهم يبدأ بكلمة، والكبرياء يمنع الاعتذار، والصدق والتواضع يعيدان للقلوب ما أفسدته الظنون

Listen to this article

حين تنتصر «الأنا»… يخسر الإنسان

سوء الفهم يبدأ بكلمة، والكبرياء يمنع الاعتذار، والصدق والتواضع يعيدان للقلوب ما أفسدته الظنون

أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني

قال رجلٌ لصاحبه وهو يحاول الاستماع إليه: «لا أسمعك»، فقد كان يعاني ضعفًا في السمع، ولم يقصد تجاهله أو الانتقاص منه. لكن صاحبه لم يسأله عن مراده، ولم يمنحه فرصةً للتوضيح، بل حمل العبارة على أسوأ محمل، وظن أنه يسخر منه أو لا يرغب في حديثه، فرد عليه غاضبًا: «وأنا لا أراك».

في لحظة قصيرة تحولت جملة بريئة إلى إساءة، وتحول العجز عن السمع إلى خصومة صنعها سوء الفهم. لم تكن المشكلة في الأذن التي لم تسمع، بل في النفس التي أسرعت إلى الظن، وفي «الأنا» التي فضّلت الرد المؤذي على السؤال الهادئ.

كم من علاقة انتهت بهذه الطريقة؟ وكم من صديقين افترقا لأن أحدهما فهم الكلام على غير مقصده، ثم بنى على ذلك موقفًا كاملًا؟ وكم من إنسان جُرح بسبب كلمة لم تُفسَّر، أو نبرة أسيء فهمها، أو موقف لم تُعرف ظروفه؟

إننا لا نسمع الكلمات وحدها، بل نسمعها أحيانًا من خلال مخاوفنا وتجاربنا السابقة وحساسيتنا تجاه الآخرين. وقد يرى الإنسان في العبارة البسيطة إهانةً لم يقصدها قائلها، ثم يرد عليها بإهانة حقيقية، فيصبح هو المعتدي بعدما كان يتوهم أنه يدافع عن كرامته.

الكبرياء الذي يهدم ولا يحمي

وفي موقف آخر، أخطأ شخص في حق صاحبه، وأدرك في داخله أنه أخطأ، لكنه لم يعتذر. كان يستطيع بكلمة صادقة أن يصلح ما أفسده، غير أن كبرياءه أوهمه أن الاعتذار هزيمة، وأن الاعتراف بالخطأ يقلل من مكانته. انتظر كل واحد منهما الآخر، وطال الصمت، وكبرت المسافة، حتى افترق الاثنان.

لم يكن الخلاف أكبر من أن يُحل، لكن «الأنا» كانت أكبر من أن تعتذر.

بعض الناس يفضلون خسارة إنسان عزيز على قول: «أخطأت في حقك، فسامحني». وقد يختلق المخطئ التبريرات، أو يستحضر أخطاء الطرف الآخر، أو يقلب الموقف على من جرحه؛ حتى لا يواجه الحقيقة البسيطة: أنه أخطأ وكان عليه الاعتذار.

لكن الاعتذار لا ينتقص من الكرامة، بل يكشف قوة الشخصية ونضجها. الضعيف هو من يعرف خطأه ثم يهرب منه، أما القوي فهو من يمتلك شجاعة الاعتراف وتحمل المسؤولية وإصلاح الضرر.

الصدق يحمي العلاقات

الصدق ليس أن نقول كل ما نريده بلا مراعاة، وإنما أن نوضح مقاصدنا، وألا نخفي الخطأ خلف الأعذار. فإذا أسيء فهم كلامنا، قلنا بهدوء: «لم أقصد ما فهمته». وإذا أخطأنا قلنا بوضوح: «أنا مخطئ»، من دون إضافة كلمة «لكن» التي تحوّل الاعتذار إلى دفاع ومحاكمة للطرف الآخر.

وفي المقابل، علينا ألا نبني أحكامنا على الظنون. فقبل الغضب والرد والقطيعة، يمكن لسؤال بسيط أن ينقذ العلاقة: «ماذا تقصد بكلامك؟». وقد نكتشف أن ما اعتبرناه إساءة لم يكن إلا تعبيرًا ناقصًا، أو حالة عابرة، أو كلمة خرجت من إنسان متعب.

التواضع انتصار على النفس

التواضع ليس أن يتنازل الإنسان عن حقه أو يسمح بإهانته، بل أن يدرك أنه قد يخطئ كما يخطئ غيره، وأن فهمه للمواقف ليس حقيقة مطلقة. ومن التواضع أن نستمع قبل الحكم، ونسأل قبل الاتهام، ونعتذر قبل أن تتسع المسافة.

أما الانتصار للذات في كل موقف، فهو انتصار قصير يعقبه فقد طويل. قد يخرج الإنسان من النقاش معتقدًا أنه قال الكلمة الأخيرة، لكنه ربما خسر قلبًا كان يستحق الحفاظ عليه.

العلاقات الإنسانية لا تبقى لأن أصحابها لا يخطئون، بل لأنها تتسع للتفسير الحسن، والمراجعة الصادقة، والاعتذار الكريم. وما أجمل أن ينتصر الإنسان على «أناه» قبل أن يحاول الانتصار على الآخرين؛ فقد تكون كلمة «سامحني» أشرف من جدال طويل، وقد يكون سؤال هادئ أصدق من رد جارح، وقد يكون التواضع هو الجسر الأخير الذي يمنع قلبين من الافتراق.

محمد سعد القحطاني

‏صحفي وكاتب ومؤلف وشاعر، انتقلت بالكلمة من المقال والقصيدة والكتاب إلى السيناريو والدراما والكوميديا والسينما والمسرح. ‏من أعمالي سلسلة «سكرات الحياة»، ودليلك إليك ومنها امتد مشروع الكتابة إلى أعمال درامية وسينمائية ومسرحية، بينها «مرآة | سكرات الحياة» و**«سُبع ساعة»** ومسرحية بالغلط، إلى جانب مشروعات أخرى في مراحل التطوير. ‏أكتب الخبر بوعي الصحفي، والفكرة بعين الكاتب، والشخصية بخيال المؤلف، وأبحث في كل ذلك عن شيء واحد: ‏أن تتحول الكلمة من نصٍ يُقرأ… إلى أثرٍ يُرى ويُشاهد ويبقى. ‏محمد سعد القحطاني✍🏻

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى