الأسلوب مفتاح النجاح في التعليم والتحفيظ

أ. عبدالله القرشي
التعليم رسالة عظيمة، وحفظ القرآن الكريم شرف وفضل لا يضاهيه فضل. غير أن الطريقة التي يُقدَّم بها العلم، والأسلوب الذي يتعامل به المدرس مع طلابه، لهما الأثر الأكبر في النجاح أو الفشل. فكثير من الناس يتذكرون معلميهم لسنوات طويلة، ليس فقط لما علّموهم من معلومات، بل للطريقة التي عاملوا بها طلابهم، إما بالمودة والرحمة، أو بالعنف والجفاء.
القصة التي رواها أحد معلمي التحفيظ في مكة المكرمة تحمل في طياتها درساً بليغاً لكل مربٍ ومعلم.. يقول إنه كان جالساً في أحد مساجد الأحياء القديمة بعد صلاة العصر، فجاءه طفل صغير عمره لا يتجاوز السبع سنوات، يسأله بإلحاح أن يعلمه القرآن لأنه يخشى أن يضربه والده إذا عرف أنه لم يحفظ.
لم يطرده المعلم، ولم يوبخه، بل احتضنه بالحنان، وبدأ أولاً يزرع في قلبه حب القرآن.. حدثه عن فضل الحفظ، وعن الأجر العظيم لكل حرف يُتلى، وعن التاج الذي يُلبسه الله لوالديه يوم القيامة. هذا الأسلوب الرفيق فتح قلب الطفل، وأزال عنه الخوف، وأشعل فيه الرغبة.
لم يكتف المعلم بالوعظ، بل أستخدم طريقة عملية مبسطة: يكرر كل آية عشر مرات، وكل يوم يحفظ أربع آيات فقط، مع إلزامه بالمراجعة اليومية لما سبق. هذا التدرج، الممزوج بالصبر والتحفيز، جعل الطفل يتجاوز صعوبته في الحفظ شيئاً فشيئاً.. ومع مرور شهر بدأ يظهر التحسن الكبير، ومع مرور ستة أشهر أصبح الطالب ثابتاً في الحفظ، وقد أحب القرآن وأصبح يأتي بنفسه بعد كل صلاة.
مرت السنوات، وأفترق المعلم عن الحي، لكنه فوجئ بعد عشرين عاماً بلقاء مدهش. فقد دخل مسجداً في أحد المخططات الجديدة بمكة ليصلي المغرب، وكان الإمام شاباً حسن الصوت يقرأ القرآن بخشوع يأسر القلوب.. وبعد الصلاة اقترب منه الشاب وقبّل رأسه، وقال له: “أنا الطالب ريان، الذي كنت تعلّمه قبل عشرين سنة.. بفضلك بعد الله، أحببت القرآن، وحفظته كاملاً، وأنا اليوم إمام ومدرس في هذا المسجد”.. لقد أثمرت كلمات المودة، وصبر المعلم، أسرةً من نور وذكرى لا تمحى.
العبرة التي نستخلصها من هذه القصة أن الأسلوب هو المفتاح. بعض المعلمين – سواء في المدارس أو حلقات التحفيظ – يمتلكون القدرة على غرس الحب في قلوب الطلاب، فيجعلون العلم متعة، والدراسة هدفاً، والطالب يذهب إليهم بشغف. بينما هناك آخرون، بسبب الشدة أو الجفاء أو سوء التعامل، ينفرون الطلاب، حتى من القرآن أو المواد النافعة.
لهذا، يحتاج كل مربٍ أن يتذكر أن الكلمة الطيبة والرفق تصنعان الفرق، وأن التشجيع والتدرج يفتحان أبواب النجاح. فالطفل لا يحتاج فقط إلى المعلومة، بل إلى القدوة والرحمة، وإلى من يزرع فيه الحافز ليكمل الطريق.
إن التعليم ليس مجرد تلقين، بل هو بناء إنسان. ومن يحسن الأسلوب في التعليم، يترك أثراً لا يُنسى، وقد يثمر ذلك إماماً أو عالماً أو قدوة للمجتمع بأكمله.



