أصبحت السياحة اليوم حاضرة بقوة في المجالس ومنصات الإعلام، وتعددت المبادرات وتنوّعت العناوين التي تحتفي بالوجهات الواعدة ومشروعات التطوير في مختلف مناطق المملكة. ولا شك أن هذا الحراك يُعد مؤشرًا إيجابيًا يعكس تنامي الوعي بأهمية السياحة ودورها المحوري في دعم الاقتصاد، وتحفيز التنمية، وتعزيز جودة الحياة.
غير أن هذا الزخم المتسارع يفرض تساؤلًا جوهريًا يستحق التوقف عنده بهدوء وعمق: هل يكفي الشغف وحده لقيادة قطاع سياحي ناجح؟ الإجابة ببساطة: لا. فالسياحة لا تُدار بالعاطفة فقط، بل تقوم في جوهرها على الاختصاص والتمكّن والمعرفة الميدانية. نجاح أي مشروع سياحي لا يتحقق بالفكرة وحدها أو بالحضور الإعلامي، وإنما بمن يقوده، وكيف يفهم خصوصية المكان، ويقدّر الإنسان، ويخطط للمستقبل برؤية واقعية وخطوات مدروسة.
إن تمكين أهل الاختصاص، ممن درسوا السياحة ومارسوها واكتسبوا خبرتها على أرض الواقع، يُعد الطريق الأقصر نحو بناء سياحة مستدامة تعود بالنفع على الزائر والمجتمع المحلي معًا. فهؤلاء يمتلكون القدرة على تحويل الإمكانات إلى فرص حقيقية، والتحديات إلى قصص نجاح، بعيدًا عن الارتجال أو القرارات المؤقتة.
وفي المقابل، فإن تهميش الكفاءات أو إقصاء الخبرات، لأي اعتبارات كانت، ينعكس سلبًا على جودة المخرجات ويؤخر تحقيق النتائج المنشودة. فالسياحة بطبيعتها قطاع تشاركي، لا ينجح فيه العمل الفردي ولا تحتمله الأنانية، بل يقوم على تكامل الأدوار، والعمل الجماعي، واحترام التخصص.
المطلوب اليوم ليس الإكثار من الحديث، بل وضوح في الاختيار، وعدالة في التمكين، وثقة حقيقية في أصحاب الخبرة. فعندما تُمنح الفرصة لمن يستحقها، ستتحدث النتائج عن نفسها، وستتحول السياحة في كل محافظة إلى قصة نجاح أصيلة، تنطلق من أهل المكان، وتُدار بعقول تعرف ماذا تريد، وإلى أين تتجه.