إعلام وصحافةالرئيسيةتربية و تعليمتقريرتقنيةمال و أعمالوظائف

معاهد مغلقة… وشباب وشابات ينتظرون المهنة

رسوم مرتفعة وتحديات الوصول

Listen to this article

أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني

يواجه باحثون وباحثات عن العمل صعوبة في الوصول إلى تدريب مهني مناسب، في ظل عدم كفاية الشهادة وحدها لضمان الحصول على وظيفة، ومحدودية بعض التخصصات المتاحة في المعاهد الحكومية القريبة أو في أوقات تتناسب مع ظروف المتدربين.

وتدفع هذه التحديات بعض الراغبين في اكتساب مهارات عملية إلى اللجوء للمعاهد الخاصة، حيث تُظهر برامج منشورة تفاوتًا كبيرًا في الرسوم، تبدأ من مئات الريالات وقد تتجاوز 10 آلاف ريال، فيما تصل في بعض البرامج إلى 20 ألف ريال أو أكثر، بحسب التخصص والمدة والتجهيزات. ولا تمثل هذه الأرقام متوسطًا رسميًا للسوق، بل تخص برامج محددة جرى الإعلان عنها من جهات تدريبية خاصة.

ولا تقتصر المشكلة على الرسوم، إذ يواجه المتدربون تحديات أخرى، من بينها تكاليف النقل، وبعد مقار بعض المعاهد، وعدم ملاءمة مواعيد التدريب للموظفين أو لمن لديهم مسؤوليات أسرية، إضافة إلى محدودية المقاعد، وطول قوائم الانتظار، وعدم وضوح الاعتراف ببعض الشهادات أو مدى ارتباطها باحتياجات أصحاب العمل.

حاجة إلى مسارات مهنية متنوعة

تتزايد الحاجة إلى مسارات تدريبية عملية في مجالات الصيانة والتقنية والتصميم والإنتاج والخدمات المهنية، بما يخدم الرجال والنساء وفق الأنظمة المعمول بها واحتياجات سوق العمل.

ولا ينبغي أن يقتصر التدريب على البرامج التقليدية، بل يمكن أن يشمل مهارات حديثة مثل الأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والتجارة الإلكترونية، والتسويق الرقمي، وإدارة المشاريع الصغيرة، وصيانة المركبات الكهربائية، وتقنيات الطاقة المتجددة، إلى جانب المهن الحرفية التي يحتاج إليها الأفراد والمنشآت يوميًا.

وتملك المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني وجهات حكومية أخرى منشآت وورشًا وتجهيزات يمكن دراسة تشغيلها خارج أوقات الدوام الرسمي. غير أن تحديد عدد المعاهد القابلة للتشغيل أو الطاقة الاستيعابية والمقاعد المتاحة يتطلب بيانات رسمية وحصرًا ميدانيًا للمنشآت والتجهيزات والمدربين ومتطلبات السلامة.

كما أن بعض المناطق والمحافظات قد تحتاج إلى وحدات تدريب متنقلة أو برامج قصيرة تقام في مقار مجتمعية ومدارس ومراكز أحياء، خصوصًا في الأماكن التي لا تتوافر فيها معاهد متخصصة أو وسائل نقل مناسبة.

مقترح للتشغيل المسائي

يقترح مختصون ومهتمون بالتدريب المهني دراسة تشغيل بعض المعاهد والورش خلال الفترة المسائية، من الرابعة عصرًا حتى التاسعة مساءً، خمسة أيام أسبوعيًا، على أن يبدأ التنفيذ بصورة تدريجية من خلال اختيار المنشآت الأكثر جاهزية.

ويمكن، وفق هذا المقترح، تقديم برامج مجانية أو مدعومة تمتد من ستة أشهر إلى سنة في مجالات الكهرباء، والتبريد والتكييف، والميكانيكا، واللحام، والنجارة، والسباكة، وصيانة الأجهزة، والطاقة الشمسية، والبرمجة، والتصميم. وتبقى هذه المدد والمواعيد إطارًا مقترحًا، لا برنامجًا معتمدًا أو التزامًا رسميًا.

وقد يكون من المفيد إلى جانب البرامج الطويلة توفير دورات قصيرة ووحدات تدريبية متدرجة، تتيح للمتدرب اكتساب مهارة محددة خلال أسابيع، ثم البناء عليها لاحقًا للحصول على مؤهل أوسع. كما يمكن اعتماد التدريب الجزئي أو المرن، بما يناسب العاملين والباحثين عن عمل والطلاب.

ربط التدريب بالتوظيف

يتطلب نجاح أي توسع في التدريب المسائي ربط البرامج ببيانات سوق العمل واحتياجات منشآت القطاع الخاص، من خلال التدريب الميداني، وتنظيم المقابلات الوظيفية، ودعم العمل الحر، وتوجيه المتدربين إلى المجالات التي تتوافر فيها فرص فعلية.

ولا يكفي تخريج أعداد جديدة من المتدربين من دون التأكد من جودة المهارات التي اكتسبوها. لذلك ينبغي إشراك أصحاب العمل في تصميم المناهج، وتحديد المهارات المطلوبة، وتقييم المتدربين، وتوفير فرص تدريب تعاوني أو تطبيق عملي داخل المنشآت.

كما يمكن إنشاء قواعد بيانات للخريجين وربطها بالمنشآت الباحثة عن الكفاءات، مع توفير خدمات الإرشاد المهني، وكتابة السيرة الذاتية، والاستعداد للمقابلات، والتعريف بمتطلبات العمل الحر والتراخيص والتمويل.

ويُقترح قياس نتائج البرامج عبر مؤشرات واضحة، تشمل أعداد المقبولين والمتخرجين، ونسب التوظيف، وعدد المشروعات التي يبدأها الخريجون، إلى جانب متابعة استمراريتهم في العمل أو النشاط المهني، وقياس رضا أصحاب العمل عن مستوى الخريجين.

دعم المتدربين وإزالة العوائق

قد لا تكون مجانية التدريب وحدها كافية لضمان الاستفادة، إذ يحتاج بعض المتدربين إلى دعم النقل، أو توفير أدوات ومستلزمات التدريب، أو منح مرنة، أو حضانات للأطفال في بعض المواقع، بما يساعد النساء والآباء والأمهات على الانتظام في البرامج.

كما ينبغي مراعاة ذوي الإعاقة وتوفير بيئة تدريبية مهيأة لهم، وإتاحة مواد تعليمية مناسبة، وتطبيق معايير واضحة للقبول والتقييم، بما يضمن تكافؤ الفرص وعدم استبعاد المستفيدين بسبب عوائق يمكن معالجتها.

ومن المهم أيضًا توضيح حقوق المتدربين وواجباتهم، وآليات الشكاوى والتظلمات، وسياسات الغياب والانسحاب واسترداد الرسوم في البرامج المدفوعة، حتى تكون العلاقة بين الجهة التدريبية والمستفيد أكثر شفافية.

أدوار الجهات المعنية

تحتاج المبادرة إلى تحديد أدوار الجهات ذات العلاقة، وفي مقدمتها المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وصندوق تنمية الموارد البشرية، وإمارات المناطق، والجهات المالكة للمنشآت، إضافة إلى القطاع الخاص.

وتشمل الأدوار المقترحة التمويل والتشغيل والقبول والتوظيف والرقابة، مع أهمية نشر بيانات رسمية توضح المنشآت القابلة للتشغيل مساءً، والطاقة الاستيعابية المعتمدة، والتخصصات المتاحة، والتكاليف، والنتائج المحققة.

كما يمكن للغرف التجارية والاتحادات المهنية والمنشآت الكبرى المشاركة في تحديد الاحتياجات التدريبية، وتقديم المعدات أو الخبرات، واستضافة المتدربين، والمساهمة في توظيف الخريجين. ويظل التنسيق بين الجهات ضروريًا لتجنب تكرار البرامج وتشتت الموارد.

السلامة والجودة والاعتماد

يتطلب تشغيل الورش والمعامل مساءً الالتزام الصارم باشتراطات السلامة المهنية، وتوفير مشرفين مؤهلين، وصيانة المعدات، والتأكد من جاهزية مخارج الطوارئ وأنظمة الإطفاء والإسعافات الأولية.

كما ينبغي وضع معايير موحدة لجودة التدريب، تشمل كفاءة المدربين، ونسبة الجانب العملي إلى النظري، وصلاحية التجهيزات، وآليات الاختبار، واعتماد الشهادات. فالشهادة لا تحقق هدفها ما لم تكن موثوقة وقابلة للقبول لدى أصحاب العمل.

ومن المهم التفريق بين الشهادات المهنية المعتمدة وشهادات الحضور، وتوضيح ذلك للمتدربين قبل التسجيل، مع نشر محتوى البرامج ومددها ومتطلبات الالتحاق والنتائج المتوقعة بصورة دقيقة.

تنفيذ مرحلي وتقييم مستمر

يمكن تنفيذ المشروع على مراحل تبدأ بحصر المنشآت والتجهيزات، ثم إطلاق تجربة محدودة، يليها تقييم النتائج والتوسع في البرامج الناجحة. ويساعد هذا النهج على اختبار الجدوى الفعلية، وتحديد الاحتياجات، وضبط التكاليف، قبل تعميم التجربة.

ويُستحسن اختيار مناطق ومحافظات مختلفة للتجربة، بما يسمح بمقارنة النتائج بين المدن الكبرى والمناطق الأقل خدمة، ودراسة أثر المسافة والنقل وطبيعة سوق العمل المحلي في الإقبال والنتائج.

كما ينبغي إعلان تقارير دورية تتضمن أعداد المستفيدين، ونسب الحضور والتخرج، والتكاليف، ومؤشرات التوظيف، والتحديات التي ظهرت أثناء التنفيذ، حتى لا تتحول المبادرة إلى نشاط شكلي يصعب قياس أثره.

ويؤكد المقترح أن الهدف ليس تقديم إعانة دائمة، بل إتاحة فرصة عادلة للشباب والشابات لتعلم مهن تمنحهم دخلًا مستقلًا، وتحويل المعاهد والورش غير المستغلة خلال الفترة المسائية إلى مساحات للتدريب والإنتاج، وفق خطط معلنة وبيانات قابلة للتحقق.

ما الذي بقي من الأسئلة؟

يبقى السؤال الأهم: كم عدد المنشآت الحكومية التي يمكن تشغيلها فعليًا في الفترة المسائية؟ وما تكلفة تجهيزها وتأمينها؟ وكم عدد المقاعد التي يمكن توفيرها سنويًا؟ وما التخصصات التي يطلبها سوق العمل في كل منطقة؟ ومن سيتولى متابعة الخريجين بعد انتهاء التدريب؟

كما تحتاج المبادرة إلى إجابات واضحة عن آلية تمويل المتدربين، ومدى إمكانية تقديم مكافآت أو دعم للنقل، وكيفية إشراك القطاع الخاص، وما الضمانات التي تمنع تكرار برامج لا تقود إلى وظائف أو مشروعات مستدامة.

إن توفير هذه البيانات لا يمثل إجراءً إداريًا فقط، بل شرطًا أساسيًا لاتخاذ قرار واقعي، وتحديد الأولويات، وتوجيه الموارد إلى البرامج والمنشآت الأكثر قدرة على تحقيق أثر ملموس.

مصادر التحقق والتوثيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى