الرئيسيةتقرير

التسعيرة الحكومية

مبادرة وطنية تربط السعر بالكاشير والفني والفاتورة

Listen to this article

«التسعيرة الحكومية» أمام عشر جهات.. مبادرة وطنية تربط السعر بالكاشير والفني والفاتورة

مقترح لتنظيم رحلة السلعة وأجور المصنعية واعتماد الفنيين وحماية المستهلك ضمن منظومة رقمية مترابطة

أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني

استكمالًا لما قامت وتقوم به وزاراتنا وهيئاتنا ومؤسساتنا الحكومية في المملكة العربية السعودية من جهود في تنظيم الأسواق، وحماية المستهلك، وتطوير الفوترة الإلكترونية، وضبط جودة السلع والخدمات، وتأهيل العاملين في المهن الفنية؛ أضع أمام الجهات المعنية مبادرة وطنية مقترحة بعنوان «التسعيرة الحكومية».

لم أنطلق في هذه المبادرة من افتراض وجود تقصير في مسارات العمل القائمة، ولم أطرحها بديلًا عن الأنظمة والخدمات التي تعمل عليها الجهات المختصة؛ وإنما قدمتها بوصفها إضافة تطويرية تقترح جمع عدد من الخدمات والأنظمة المتفرقة وربطها داخل مسار رقمي واحد.

جاءت هذه المبادرة من منطلق محبتي لوطني، وغيرتي على مصالحه، وإيماني بأن خدمة المملكة مسؤولية لا تقف عند حدود الوظيفة الرسمية. فكل مواطن يستطيع، من موقعه وخبرته وملاحظاته اليومية، أن يقدم فكرة أو مقترحًا يضيف إلى ما تحقق، ويساعد على تطوير ما يحتاج إلى تطوير.

وفي ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز – حفظهما الله – وما تشهده المملكة من تحول كبير في العمل الحكومي والتقني، وما توليه القيادة من اهتمام بالتطوير والابتكار ورفع جودة الحياة والخدمات؛ فإن مسؤوليتنا بوصفنا مواطنين ألا نكتفي بمشاهدة التطور، بل نسهم فيه بما نستطيع.

كلنا ذلك المواطن الذي يرى نفسه جنديًا لهذا الوطن، وكاتبًا له، وحريصًا على منجزاته ومستقبله. ومن هذا المنطلق قمت بتطوير مبادرة رأيت أن من مصلحة الوطن والمواطن دراستها؛ لبناء ترابط تقني بين عدد من الجهات الرسمية، وتطوير بعض الإجراءات والأنظمة المعمول بها، بما يسهم في تحسين وضع السوق والتسعير، وتنظيم المهن الفنية، وضمان خضوع جميع العاملين والمنشآت لقواعد واضحة لا تسمح لأي شخص، مواطنًا كان أم مقيمًا، بالتلاعب بالأسعار أو استغلال حاجة المستهلك.

من السوق بدأت الفكرة

بدأت الفكرة من مواقف يومية يواجهها المستهلك. يدخل المواطن متجرًا فيجد سعر السلعة مكتوبًا، لكنه لا يعرف كيف تكوّن هذا الرقم، وكم كانت تكلفة السلعة قبل وصولها إليه، وما الذي أضيف عليها بين المستثمر والموزع وتاجر الجملة ومتجر التجزئة.

أما في ورش السيارات ومراكز الصيانة والخدمات المنزلية، فقد لا يجد سعرًا معلنًا من الأساس. يبدأ الفني بالفحص أو الفك، ثم يعلن التكلفة بعد أن يصبح تراجع العميل أكثر صعوبة. وقد يختلف السعر من مستهلك إلى آخر، أو تُستبدل قطعة سليمة بسبب تشخيص خاطئ، أو تُركب قطعة بديلة أو مستعملة دون توضيح حقيقتها.

ومن هنا رأيت أن حماية المستهلك لا ينبغي أن تبدأ بعد دفع المبلغ ووقوع الضرر؛ بل قبل الشراء، وقبل بدء الإصلاح، وقبل إصدار الفاتورة.

لذلك تقوم مبادرة «التسعيرة الحكومية» على إنشاء منظومة رقمية تربط مراحل تكوّن السعر، وهوامش الربح، وأنظمة الكاشير، والفاتورة الإلكترونية، وأجور المصنعية، واعتماد الفنيين، وأوامر العمل، والضمان، والشكاوى والمساءلة.

رحلة السعر من بدايتها

تقترح المبادرة تسجيل السلع المستوردة والمصنّعة داخل المملكة وفق رموز تعريفية، وتوثيق مراحل تكوّن أسعارها حتى وصولها إلى المستهلك.

فالسلعة المستوردة تبدأ من قيمة شرائها في بلد المنشأ، ثم تضاف إليها تكاليف الشحن والتأمين والرسوم الجمركية والتخليص والنقل والتخزين، وبعد ذلك هوامش المستثمر والموزع وتاجر الجملة وبائع التجزئة، ثم الضريبة والسعر النهائي.

أما السلعة المصنّعة محليًا، فتبدأ من تكلفة المواد الخام والطاقة والأجور والتشغيل والتعبئة والنقل والتخزين، ثم تنتقل عبر مراحل التوزيع والبيع حتى تصل إلى المستهلك.

ولا أقترح فرض نسبة ربح واحدة على جميع السلع؛ لأن المواد الغذائية الأساسية تختلف عن المنتجات الكمالية، والسلع سريعة التلف تختلف عن الأجهزة ومواد البناء وقطع الغيار.

والمقترح هو تصنيف السلع إلى مجموعات، ودراسة تكاليف كل قطاع، وتحديد المصاريف المقبولة والنطاق السعري وهوامش الربح الملائمة له، مع منح المستثمر حق طلب تعديل السعر عندما ترتفع تكاليف الاستيراد أو التصنيع أو الشحن أو التشغيل، شريطة تقديم الفواتير والمستندات التي تثبت الزيادة.

فالهدف ليس منع الربح المشروع، وإنما منع أن يصبح السعر رقمًا مجهول المصدر لا يعرف المستهلك كيف تكوّن، ولا تستطيع الجهة الرقابية تحديد المرحلة التي حدثت فيها الزيادة.

الكاشير بوابة الرقابة

لا تقف المبادرة عند نشر الأسعار على موقع إلكتروني؛ بل تقترح ربط أجهزة الكاشير وبرامج المبيعات بمنصة وزارة التجارة، بالتكامل مع الفوترة الإلكترونية والأنظمة الحكومية ذات العلاقة.

وعند تمرير السلعة، يقارن النظام سعر البيع بالسعر المرجعي أو النطاق المعتمد. يظهر اللون الأخضر إذا كان السعر ضمن النطاق، والأصفر إذا اقترب من الحد الأعلى، والأحمر إذا تجاوزه.

وإذا كانت السلعة أو الخدمة خاضعة لسقف سعري ملزم، يوقف النظام إتمام عملية البيع بالسعر المخالف، ويسجل محاولة التجاوز باسم المنشأة والفرع وتاريخ العملية وتوقيتها.

ولا يستطيع العامل أو مدير الفرع تغيير السعر من تلقاء نفسه خارج المسار المعتمد. وإذا ارتفعت التكلفة الفعلية، تتقدم المنشأة بطلب إلكتروني مدعوم بالمستندات، ويُراجع السعر قبل اعتماده.

وبذلك تنتقل الرقابة من انتظار بلاغ المستهلك بعد الدفع إلى منع المخالفة عند صندوق المحاسبة وقبل وقوع الضرر.

المصنعية لا يحددها مزاج الفني

من أهم أقسام المبادرة وضع تعرفة حكومية ملزمة لأجور المصنعية. فالمطلوب ليس أن يخبر الفني العميل بالسعر الذي اختاره قبل بدء العمل؛ بل أن تكون هناك تعرفة رسمية تحدد رسوم الزيارة والكشف، وقيمة ساعة العمل لكل تخصص، وطريقة احتساب أجزاء الساعة، وأجرة الفك والتركيب والبرمجة والمعايرة والانتقال إلى موقع العميل.

وتشمل التعرفة المقترحة ورش السيارات، والسباكة، والكهرباء، والتكييف، والدهانات، والنجارة، وصيانة الأجهزة الكهربائية والإلكترونية والمنزلية والجوالات، وأعمال التركيب والنقل وغيرها من المهن التي تحددها الجهات المختصة.

ولا يعني ذلك مساواة الفني المبتدئ بالخبير؛ إذ يمكن ربط قيمة الساعة بدرجة اعتماد الفني وتخصصه وطبيعة المهمة. لكن السعر، في جميع الأحوال، يجب ألا يبقى قرارًا شخصيًا يتغير باختلاف العميل أو حاجته أو قدرته على المساومة.

لا فني بلا اختبار واعتماد

تقترح المبادرة إنشاء سجل وطني للفنيين، وعدم تفعيل حساب أي شخص لمزاولة مهنة فنية مشمولة إلا بعد التحقق من هويته ومهنته النظامية ومؤهلاته وخبرته، واجتيازه اختبارًا نظريًا وعمليًا في تخصصه.

ويُصنف الفني بحسب مستواه المهني، وتُحدد الأعمال التي يحق له تنفيذها، ويُمنح رقم اعتماد ورمز تحقق إلكترونيًا يمكّنان المستهلك من معرفة تخصصه ومستواه والمنشأة التي يعمل لديها وسريان صلاحيته.

ولا يُسمح لغير المسجل، أو من انتهى اعتماده، أو من يعمل خارج تخصصه، بالإعلان عن الخدمة أو استقبال الطلبات أو إصدار أوامر العمل والفواتير أو تحصيل أجرة المصنعية.

وفي المقابل، لا تحرم المبادرة أصحاب الخبرات العملية الذين لا يحملون شهادات دراسية؛ بل تمنحهم فرصة إثبات كفاءتهم من خلال اختبار مهني عادل، تكون فيه المهارة الفعلية هي معيار الاعتماد.

الخدمة تبدأ بأمر عمل

يدخل المستهلك إلى المنصة ويختار نوع الخدمة وموقعها وموعدها، ثم تظهر له قائمة بالفنيين المرخصين، مع تخصص كل فني ومستوى اعتماده والمنشأة التي يتبع لها ورسوم الكشف وتعرفة ساعة العمل وتقييماته.

وبعد اختيار الفني، يصدر أمر عمل إلكتروني يتضمن التشخيص، ووقت بدء العمل وانتهائه، وعدد الساعات، والقطع المطلوبة، وقيمة المصنعية والضمان.

ولا يستطيع الفني إضافة ساعات أو أعمال أو قطع جديدة إلا بعد رفع طلب مسبب وموافقة المستهلك عليه إلكترونيًا.

وعند انتهاء العمل، تصدر فاتورة تفصيلية توضح قيمة كل قطعة، وحالتها إن كانت أصلية أو بديلة أو مستعملة، وأجرة المصنعية، وعدد ساعات العمل، والضريبة، ومدة ضمان القطعة والعمل الفني، واسم الفني ورقم اعتماده.

ما الذي تضيفه المبادرة؟

الفاتورة الإلكترونية موجودة، والتراخيص المهنية موجودة، واختبارات الفنيين وبرامج التأهيل قائمة، والجهات المختصة تبذل جهودًا واضحة في الرقابة وحماية المستهلك.

لكن ما أقترحه هو جمع هذه العناصر داخل دورة تشغيل ورقابة واحدة، تبدأ من مصدر السلعة أو طلب الخدمة، ولا تنتهي إلا بوصولها إلى المستهلك موثقة السعر والتنفيذ والضمان والمسؤولية.

فلا تكفي شهادة تثبت أن الفني اجتاز اختبارًا إذا كان يستطيع العمل خارج تخصصه، ولا تكفي الفاتورة الإلكترونية إذا كانت تسجل السعر المخالف بعد تحصيله، ولا تكفي بطاقة السعر إذا بقيت مراحل تكوّنه مجهولة.

والعنصر المبتكر في المبادرة هو الربط الإلزامي بين رحلة السعر، وهوامش الربح، والتعرفة الحكومية للمصنعية، واعتماد الفني، وطلب الخدمة، وأمر العمل، والكاشير، والفاتورة التفصيلية، والضمان، والشكوى والمساءلة.

المبادرة أمام عشر جهات

قمت بتوجيه المبادرة التفصيلية إلى عشر جهات، كل جهة بحسب اختصاصها، وهي:

  1. وزارة التجارة؛ لدراسة تنظيم الأسعار وهوامش الربح والرقابة على السوق وحماية المستهلك.
  2. وزارة البلديات والإسكان؛ لدراسة تراخيص المنشآت والأنشطة الحرفية والخدمية.
  3. وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية؛ لدراسة ربط الفني بمهنته النظامية والمنشأة التي يعمل لديها.
  4. المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني؛ لدراسة اختبارات الكفاءة وتصنيف مستويات الفنيين.
  5. هيئة الزكاة والضريبة والجمارك؛ لدراسة ربط الفوترة الإلكترونية والبيانات الجمركية بأنظمة الكاشير ورحلة السعر.
  6. الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة؛ لدراسة تصنيف السلع وقطع الغيار والتحقق من مطابقتها وجودتها.
  7. هيئة الحكومة الرقمية؛ لدراسة التكامل التقني بين أنظمة الجهات الحكومية وبناء المسار الرقمي الموحد.
  8. جمعية حماية المستهلك؛ لدراسة حقوق المستهلك والفاتورة والضمان والشكاوى والتعويض.
  9. المركز السعودي للتنافسية والأعمال ؛ لدراسة أثر المبادرة في المنافسة والاستثمار وبيئة الأعمال.
  10. اتحاد الغرف السعودية؛ لإشراك التجار والمستثمرين وأصحاب الورش ومقدمي الخدمات في دراسة المبادرة.

وقد أرسلت المبادرة إلى هذه الجهات عبر عناوين بريدها الإلكتروني الرسمية، وأرفقت لكل جهة ملفًا تفصيليًا يوضح الأقسام المرتبطة باختصاصها، إلى جانب الملف الكامل الذي يتضمن خطوات المبادرة، وتوزيع المسؤوليات، والجداول التوضيحية، وآلية التطبيق المرحلي، والحوكمة والنتائج المتوقعة.

المقترح قابل للتطوير

لا أطرح هذه المبادرة بوصفها قرارًا معتمدًا، ولا أدعي أنها بلغت صورتها النهائية؛ فالجهات المختصة تملك الخبرة النظامية والاقتصادية والتقنية اللازمة لمراجعتها وتطويرها وتحديد ما يمكن تطبيقه منها.

وما أرجوه هو أن تُدرس المبادرة بوصفها منظومة متكاملة، لا أن يُنظر إلى كل عنصر فيها منفردًا ثم يقال إنه موجود؛ لأن جوهر المقترح ليس إنشاء فاتورة أو رخصة أو اختبار جديد، بل ربط العناصر القائمة جميعها في مسار واحد يمنع التلاعب قبل وقوعه.

لقد أرسلت الملفات التفصيلية إلى الجهات المعنية بخطوات واضحة وأقسام محددة، وأنتظر الرد عليها، ودراستها، وتطويرها، وتبنيها واعتمادها إن رأت الجهات المسؤولة أن فيها ما يفيد الوطن والمواطن ويرفع كفاءة السوق وجودة الخدمات.

هذه المبادرة جهد مواطن وكاتب صحفي لا يملك سلطة القرار، لكنه يملك حق الملاحظة وواجب الاقتراح. وقد وضعتها أمام أصحاب الاختصاص مؤمنًا بأن الأفكار لا تنضج إلا بالحوار، وأن خدمة الوطن لا تحتاج إلى منصب بقدر ما تحتاج إلى صدق الانتماء، وحسن الفكرة، والعمل من أجل أن تتحول إلى واقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى