الرئيسيةمال و أعمال

المواطن غريبًا في سوق وطنه.. من أغلق أبواب المهن؟

بين عمالة مسيطرة وبطالة مواطن

Listen to this article

المواطن غريبًا في سوق وطنه.. من أغلق أبواب المهن؟

شهادات تكشف صعوبة دخول السعوديين إلى بعض الأنشطة، ومبادرة تقترح الإحلال المهاري وملاحقة التستر ودعم المشروعات الوطنية

تحقيق: أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني

دخل مواطن إلى إدارة سوق للخضار باحثًا عن محل صغير يعمل فيه بيديه، فلم يُسأل عن قدرته المالية أو خبرته أو خطته للمشروع؛ بل كان السؤال الأول، وفق روايته: «ما جنسية العمال الذين معك؟».

وعندما أجاب بأنه سيعمل بنفسه، فوجئ بمن ينصحه بالابتعاد عن السوق، لأن دخول الشباب السعودي –بحسب ما قيل له– سيقطع أرزاق العاملين الأجانب ولن يسمحوا له بالعمل

وفي سوق آخر، باع مواطن سيارته وافتتح بقالة صغيرة، في سوق البنقال لكنه يقول إن  العاملين اتفقوا فيما بينهم على مقاطعته وتوجيه المشترين إلى بقالة مجاور يديرها أحد أبناء جنسيتهم، حتى خسر رأس ماله وأغلق بقالته.

قد تبدو كل واقعة منفصلة عن الأخرى، لكن اجتماعها يطرح سؤالًا أكبر: هل أصبحت بعض الأنشطة المهنية والتجارية أسواقًا مغلقة في وجه المواطن ؟ يدخلها العامل الوافد بتوصية من صديق، بينما يقف المواطن أمام سلسلة من الشروط والاختبارات والتشكيك في قدرته؟

شهادات مواطنين

التقيت خلال إعداد هذا التحقيق عددًا من المواطنين والمواطنات، واستمعت إلى تجاربهم مع البطالة ومحاولات دخولهم بعض المهن والأسواق. وبناءً على رغبتهم، حجبت أسماء بعضهم والتفاصيل التي قد تكشف هوياتهم، . وهذه شهادات شخصية تستدعي الدراسة والتحقق، ولا تمثل حكمًا نهائيًا على أفراد أو جنسيات.

قالت أمل العسيري إنها تتقدم عبر منصات التوظيف الرسمية منذ ثلاثة أعوام، لكنها لم تحصل على فرصة عمل. لم تعد مشكلتها في معرفة الموقع الذي تقدم من خلاله، بل في تكرار التقديم دون أن تعرف لماذا لم يتم التواصل معها، وما المهارة التي تنقصها، وإلى متى ستظل سيرتها الذاتية تنتقل بين المنصات دون مقابلة جادة؟

أما خالد الشهراني فاختار ألا ينتظر الوظيفة. باع سيارته، وجمع ما استطاع، وافتتح متجرًا صغيرًا في أحد أسواق خميس مشيط. ويقول إنه واجه مقاطعة وتوصيات بين بعض العاملين بعدم الشراء منه لمصلحة متجر مجاور، حتى تعثر مشروعه وأغلقه.

وروى لي «م.ع» أنه حاول استئجار محل للخضار والفواكه في أحد الأسواق العامة بمدينة أبها، ليعمل فيه بنفسه، لكنه فوجئ –بحسب روايته– بوافد يعمل في ادارة السوق يسأله عن جنسية عماله، فقال خالد سأعمل بنفسي فأخبره الوافد بأن السعودي لن يستطيع الاستمرار بين العاملين الأجانب فقال خالد لماذا؟ فقال الوافد دخول السعودي للسوق يعني خروج الأجنبي من السعودية ،،

أما «ي.ق» فدخل إحدى ورش كهرباء السيارات راغبًا في تعلم المهنة والعمل فيها. ويقول إنه كان يخفي أنه سعوديًا حتى لا يشكك العملاء في معرفته، وحين كُشفت هويته بدأ بعض العاملين يحذّرون الزبائن منه بعبارة مفادها أن «السعودي لا يفهم العمل»، حتى تحولوا عنه الزيائن وضاق به المكان وغادره.

وفي الجانب الآخر تقف «ف.أ»، وهي مواطنة تجيد الخياطة وصناعة الستائر والكنب، لكنها تبحث عن منشأة نسائية تستطيع العمل فيها بما يتفق مع رغبتها وظروفها. تقول إنها مستعدة للعمل والتعلم، لكنها لا تجد المصنع أو الورشة النسائية التي تستوعب مهارتها.

ويبقى صوت «ط.ص» الأكثر ألمًا؛ فقد تجاوز الأربعين وهو عاطل عن العمل، ولم يتزوج أو يبنِ حياته، حتى اختصر حاله بعبارة قاسية بقوله لعلي أموت وأرتاح فهذه الكلمة تكشف ما يمكن أن تفعله سنوات البطالة بالنفس والكرامة والأمل.

هذه الشهادات تكفي لفتح أبواب السوق المغلقه أمام الرقابة والسؤال.

الأرقام تحتاج إلى ضبط

تشير التقديرات الرسمية لعام 2024 إلى أن عدد السكان غير السعوديين بلغ نحو 15.7 مليون نسمة، لكن من الخطأ وصفهم جميعًا بالعمال؛ فالرقم يشمل المقيمين وأفراد أسرهم ومختلف الفئات السكانية. وكان تعداد 2022 قد سجل 13.4 مليون غير سعودي من إجمالي 32.2 مليون نسمة. 

وفي المقابل، بلغ معدل البطالة بين السعوديين 6.4% خلال الربع الأول من عام 2026. وقد انخفض مقارنة بمستويات سابقة، وهو تطور إيجابي، لكنه يعني أيضًا أن مواطنين ومواطنات ما زالوا يبحثون عن فرصة واستقرار ودخل. 

ولا يصح أن يتحول وجود العامل الأجنبي إلى تهمة؛ فقد شاركت العمالة الوافدة في بناء قطاعات مهمة، وسدت احتياجات مهنية وفنية خلال عقود. لكن غير المقبول أن تتحول الحاجة إلى عامل ماهر إلى اعتماد دائم يمنع نقل المعرفة، أو أن تتحول العلاقات بين أبناء الجنسية الواحدة إلى بوابة مغلقة للتوظيف والتوريد والعملاء.

كيف تتكون السوق المغلقة؟

يصل عامل إلى نشاط معين، ثم يرشح قريبًا أو صديقًا للعمل معه. وبعد مدة يصبح هو من يختار العمال الجدد، ويوزع المهام، ويتواصل مع الموردين، ويدرّب أبناء مجموعته. وحين يفتح محل جديد، تنتقل إليه الشبكة نفسها.

هذه العلاقات ليست مخالفة بذاتها، وقد تساعد المنشأة في الحصول على عمال موثوقين. لكن الخطر يبدأ حين تتحول إلى منظومة غير مكتوبة تتحكم في:

  • من يدخل المهنة ومن يُستبعد منها.
  • من يحصل على المحل داخل السوق.
  • من يتعامل معه الموردون والعملاء.
  • الأسعار والخصومات وتقسيم مناطق العمل.
  • انتقال العمال بين المنشآت.
  • إدارة المنشأة وأموالها بعيدًا عن مالكها المسجل.

وقد بينت دراسات عن سوق العمل السعودي أن شبكات الاستقدام والعلاقات الاجتماعية تسهم في تجمع العمال داخل أنشطة محددة، وأن بعض العمال ينتقلون مع الوقت من أداء العمل إلى إدارة النشاط أو تشغيل مشروعات تخدم الشبكة نفسها. 

حين يصبح الكفيل واجهة

الصورة الأخطر ليست في عامل يؤدي مهنته بعقد نظامي، بل في مواطن يفتح سجلًا تجاريًا، ثم يترك المنشأة للعامل مقابل مبلغ شهري مقطوع، فلا يعرف من اشترى ولا من باع، ولا مقدار الإيرادات، ولا عدد العاملين الحقيقيين.

يتحول المالك هنا إلى اسم على السجل، بينما يصبح العامل هو المالك الفعلي: يستقدم معارفه، ويدير الحسابات، ويحدد الأسعار، ويوزع الأرباح، وقد يستخدم حسابات شخصية أو يحول إيرادات لا تتناسب مع راتبه المعلن.

والتحويل المالي إلى الخارج حق مشروع للعامل متى كان من دخل نظامي؛ فلا يجوز اعتبار كل حوالة شبهة. لكن الرقابة تبدأ عندما تظهر فجوة كبيرة بين الأجر المسجل وحجم التحويلات، أو تُحوّل إيرادات المنشأة إلى حساب العامل، أو يستخدم حسابًا لا يعود إلى المنشأة، أو يُمنح صلاحيات المالك كاملة.

وقد عدّت وزارة التجارة هذه الممارسات من مؤشرات الاشتباه ومخالفات مكافحة التستر. وخلال عام 2025 نفذ البرنامج الوطني لمكافحة التستر 35,280 زيارة، وضبط 1,017 حالة اشتباه أولية، وباشر 6,373 بلاغًا، وأحال 724 مخالفة إلى اللجنة المختصة. 

هذه الأرقام تثبت أن الجهات الرقابية تعمل، لكنها تثبت كذلك أن الظاهرة لم تنتهِ.

أين تقع الفجوة؟

وزارة الموارد البشرية لم تترك ملف التوطين بلا قرارات؛ فقد توسعت في توطين المهن الهندسية والتسويق والمبيعات والمشتريات، ودخل في أكتوبر 2026 قرار توطين 69 مهنة إدارية مساندة بنسبة 100%. 

لكن السؤال لا يتعلق بالوظائف الإدارية وحدها. أين خطة الإحلال داخل الورش والمغاسل والأسواق ومحال الصيانة والأثاث والسباكة والكهرباء والخياطة والأنشطة الصغيرة؟

المشكلة أن التوطين يُقاس أحيانًا بعدد السعوديين المسجلين، لا بعدد من تعلموا المهنة واستمروا فيها وامتلكوا أدواتها. وقد يُوظف المواطن في الاستقبال أو الصندوق، بينما تبقى المعرفة الفنية والعملاء والموردون والإدارة الحقيقية في أيدي الشبكة القديمة.

لا نحتاج إحلال اسم سعودي في كشف الرواتب؛ بل نحتاج إحلالًا مهاريًا واقتصاديًا يجعل المواطن قادرًا على العمل والإنتاج وإدارة النشاط والاستمرار فيه.

مبادرة «الإحلال المهاري المنتج»

أقترح إطلاق برنامج وطني قصير التنفيذ، تقوده وزارة الموارد البشرية بالشراكة مع وزارة التجارة، والمؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، ومنشآت، وبنك التنمية الاجتماعية، والبلديات، والجهات القطاعية.

أولًا: خريطة وطنية للأنشطة المغلقة

يُحصر كل نشاط على مستوى المدينة والحي، ويُقاس فيه:

  • عدد السعوديين وغير السعوديين.
  • نسبة تمركز جنسية واحدة.
  • المالك النظامي والمدير الفعلي.
  • حركة الإيرادات والحسابات.
  • نسبة بقاء السعوديين بعد توظيفهم.
  • حجم انتقال المعرفة إلى المواطنين.
  • الشكاوى المتعلقة بمنع الدخول أو التوظيف أو التأجير.

ولا يكون تمركز الجنسية دليل إدانة، لكنه مؤشر يستوجب الدراسة عندما يقترن بسيطرة فعلية أو تسعير منسق أو إقصاء المنافسين.

ثانيًا: معاهد مرتبطة بالمهنة لا بالشهادة فقط

تُنشأ مراكز تدريب داخل المدن الصناعية والأسواق والورش لتعليم كهرباء السيارات، والميكانيكا، والإطارات، والتبريد، والسباكة، والكهرباء، والخياطة، والتنجيد، وصيانة الأجهزة، والطهي وغيرها.

ولا يتخرج المتدرب بورقة فقط؛ بل بعد ساعات عملية واختبار مهني ورخصة تثبت قدرته على تنفيذ العمل. ويستفاد من الفنيين السعوديين والوافدين المهرة بوصفهم مدربين مقابل حوافز، حتى تنتقل الخبرة بدل بقائها حكرًا داخل مجموعة واحدة.

ثالثًا: التوطين مقابل نقل المعرفة

عند تجديد تراخيص المنشآت في الأنشطة التي تعاني تمركزًا مرتفعًا، تُلزم المنشأة بخطة واضحة لتدريب مواطنين، ويُربط استمرار بعض تأشيرات المهن الفنية بإثبات التدريب ونقل الخبرة، من دون قرارات عشوائية تربك السوق أو تستبعد الكفاءات التي ما زال الاقتصاد يحتاج إليها.

رابعًا: حماية المواطن المبتدئ

ليس من العدل أن يدخل شاب قليل الخبرة إلى سوق متماسكة منذ سنوات، ثم يقال له: نافس وحدك.

يحتاج صاحب المشروع السعودي في بدايته إلى:

  • تمويل ميسر دون تعقيد.
  • دعم للإيجار والتجهيز.
  • محاسب ومستشار تشغيلي.
  • تدريب على الشراء والتسعير.
  • أولوية منضبطة في الأسواق العامة.
  • متابعة خلال أول عامين.
  • حماية من المقاطعة المنظمة والمنافسة غير المشروعة.

ولا تستطيع الدولة ضمان ربح عشرة آلاف ريال لكل مشروع، لكنها تستطيع بناء مشروع قابل للحياة، ومراقبة السوق، وخفض تكاليف البداية، ومنع من يحاول إخراج المواطن منه بأساليب غير مشروعة.

خامسًا: مصانع وورش نسائية

تُنشأ مجمعات إنتاجية نسائية في الخياطة والتنجيد وتصميم الأثاث والطهي والتقنية وإدارة المتاجر الإلكترونية، مع وسائل نقل وحضانة وتدريب وتسويق.

فهناك مواطنات لا يرفضن العمل، وإنما يبحثن عن بيئة تناسبهن. وإن لم نصنع لهن تلك البيئة، ستبقى مهاراتهن داخل المنازل بينما تستمر المنشآت في طلب العمالة من الخارج.

سادسًا: منصة لشكاوى الإقصاء

يحتاج المواطن إلى قناة واضحة يبلغ من خلالها عن:

  • رفض تأجيره في سوق عام بسبب كونه سعوديًا.
  • اتفاق العاملين على مقاطعة مشروعه.
  • تحذير العملاء منه بسبب جنسيته.
  • إدارة وافد للمنشأة لحسابه الخاص.
  • توظيف صوري أو منع من ممارسة المهنة.
  • منشأة يشغلها أشخاص غير مسجلين عليها.

ويحصل البلاغ على رقم متابعة ونتيجة واضحة، لا أن ينتقل المواطن بين الجهات حتى يترك حقه ومشروعه.

السوق للجميع.. والسيادة للنظام

هذا التحقيق لا يدعو إلى معاداة الوافد، ولا ينكر فضل العامل المخلص أو الفني الماهر. العامل النظامي الذي يؤدي عمله بأمانة يستحق الاحترام والحماية، أيًا كانت جنسيته.

لكن احترام العامل لا يعني ترك السوق بلا أبواب عادلة للمواطن، ولا التغاضي عن تستر أو تحكم أو إقصاء أو اتفاقات تمنع المنافسة.

المواطن لا يطلب أن يُمنح راتبًا وهو في منزله، بل أن يجد طريقًا عادلًا إلى المهنة، وتدريبًا حقيقيًا، وتمويلًا يمكنه من البداية، وسوقًا لا يُسأل عند دخولها: من جماعتك؟ ومن الذي أوصى بك؟

حين يرى الشاب مشروعًا صغيرًا يمنحه دخلًا كريمًا ومستقبلًا واضحًا، فلن يبقى أسير انتظار الوظيفة. وحين تجد الفتاة مصنعًا أو ورشة آمنة تحتضن مهارتها، فلن تبقى طاقتها معطلة. وحين يكون مالك المنشأة حاضرًا، والعامل مرخصًا، والحسابات موثقة، والسوق خاضعة للرقابة، فلن يستطيع أحد أن يحول نشاطًا عامًا إلى دائرة خاصة.

ليس مؤلمًا أن ينجح الوافد في المملكة؛ فالمملكة أرض خير وفرص. المؤلم أن يفشل المواطن في الوصول إلى فرصة داخل وطنه، لا لضعف قدرته، بل لأن أبواب بعض الأسواق أُغلقت قبله.

والسؤال الموجه إلى وزارة الموارد البشرية والجهات المعنية ليس: كم قرار توطين صدر؟

السؤال هو: كم مواطنًا تعلم المهنة، وامتلك المشروع، واستمر فيه، ولم يُدفع إلى الخروج منه ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى