٣٥ ألف جولة … فمن يحكم السوق بعد انصراف المفتشين ؟
التستر يبدّل أدواته، والتاجر السعودي يواجه شبكات تتقاسم التوريد والتسعير والعملاء

أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني
تكشف الأرقام الرسمية عن جهد رقابي واسع لمكافحة التستر التجاري، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالًا أكثر أهمية: ماذا تحقق بعد هذه الآلاف من الجولات؟ وهل أسهمت في تغيير واقع الأسواق، أم أنها عالجت المخالفات الظاهرة وتركت الشبكات المتحكمة تعمل بوسائل أكثر حذرًا؟
خلال عام 2025، نفّذ البرنامج الوطني لمكافحة التستر التجاري 35,280 زيارة تفتيشية بمختلف مناطق المملكة، وأحال 724 مخالفة إلى لجنة النظر في مخالفات النظام، فيما بلغ مجموع الغرامات 8.69 ملايين ريال. (spa.gov.sa)
واستمرت الجولات خلال عام 2026؛ فنُفذت 2,502 زيارة في يناير، وضُبطت خلالها 82 حالة اشتباه أولية. وفي فبراير ارتفع عدد الزيارات إلى 4,479 زيارة، أسفرت عن 132 حالة اشتباه، ثم نُفذت 2,611 زيارة خلال مارس، و6,574 جولة في أبريل، و3,445 جولة خلال مايو. (mc.gov.sa, mc.gov.sa, mc.gov.sa, spa.gov.sa, spa.gov.sa)
وفي أسواق الخضار والفواكه وحدها، نُفذت 2,305 زيارات تفتيشية، نتج عنها ضبط 65 شبهة تستر تجاري. (spa.gov.sa)
هذه الأرقام تؤكد وجود عمل رقابي، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على نجاحه. فالمعيار الحقيقي ليس عدد الجولات، بل مقدار الانخفاض الفعلي في التستر، ونسبة خروج المخالفين من السوق، وعدد الأنشطة التي عادت فيها المنافسة العادلة، وحجم الفرص التي أصبحت متاحة للمستثمر السعودي.
لماذا لم تنتهِ المشكلة؟
لأن كثيرًا من حملات التفتيش تركز على واجهة المنشأة: الرخصة، والسجل، والفواتير، ووجود العامل في موقعه النظامي. بينما تعمل شبكات التستر الحديثة خلف الواجهة من خلال التحكم في الموردين والعملاء والحسابات والتسعير والعمالة والمستودعات.
وقد تكون المنشأة مسجلة باسم مواطن، إلا أن الإدارة الفعلية والقرارات والأرباح والعلاقات التجارية في يد شخص آخر. كما قد تتعاون مجموعة مترابطة داخل نشاط معين على حجب البضاعة عن المنافس الجديد، أو رفع سعرها عليه، أو استقطاب عمالته وعملائه، أو خفض الأسعار مؤقتًا حتى يخسر ويغادر السوق.
وهنا لا يواجه التاجر السعودي محلًا واحدًا، بل شبكة كاملة تمتلك خبرة متراكمة وعلاقات مع الموردين وقدرة على منح الائتمان وتبادل العمالة والمعلومات. فإذا تعثر المواطن، قيل إنه لم ينجح في التجارة، بينما قد يكون دخل منافسة غير متكافئة منذ البداية.
ولا يمكن تحميل المقيم النظامي مسؤولية هذه الظاهرة؛ فهناك مستثمرون وعاملون أجانب يلتزمون بالأنظمة ويسهمون في الاقتصاد الوطني. المشكلة ليست في الجنسية، وإنما في التستر والتكتل واستغلال العلاقات لإغلاق السوق أمام المنافسين. كما يتحمل المواطن الذي يؤجر اسمه أو سجله جزءًا أساسيًا من المسؤولية؛ لأنه يمنح المخالف الغطاء الذي يحتاج إليه.
هل حققت اللجان هدفها؟
لا يمكن القول إن اللجان فشلت لمجرد استمرار المخالفات، كما لا يمكن اعتبار كثرة الجولات دليلًا كافيًا على النجاح. المطلوب أن تنشر الجهات المختصة مؤشرات واضحة تجيب عن أسئلة محددة: كم منشأة أُغلقت نهائيًا؟ كم سجلًا شُطب؟ كم قضية انتهت بحكم؟ كم نشاطًا انخفض فيه التستر؟ وما نسبة عودة السعوديين إلى الأنشطة التي خضعت للرقابة؟
النظام يفرض عقوبات تصل إلى السجن خمس سنوات وغرامة خمسة ملايين ريال، إلى جانب مصادرة الأموال غير المشروعة وإغلاق المنشأة وشطب سجلها ومنع المدان من مزاولة النشاط. (mc.gov.sa) لكن قوة العقوبة لا تحقق أثرها الكامل ما لم ترتفع سرعة الضبط والتحقيق والحكم والتنفيذ، وتُنشر النتائج بما يردع الآخرين.
ما الحل؟
الحل يبدأ بالانتقال من تفتيش المحل إلى تفكيك الشبكة الاقتصادية خلفه، وربط بيانات السجل التجاري والحسابات البنكية والفوترة الإلكترونية ونقاط البيع والتحويلات والموردين والعقود والعمالة؛ للكشف عن المستفيد الحقيقي من النشاط.
كما يلزم إنشاء مؤشر وطني يقيس نسبة التستر والتكتل في كل نشاط ومنطقة، وتشكيل فرق مشتركة دائمة تضم وزارة التجارة والموارد البشرية وهيئة المنافسة والزكاة والضريبة والجمارك والجهات الأمنية، بدلًا من الجولات المؤقتة التي قد يتهيأ لها المخالف قبل وصول المفتش.
ومن الضروري أيضًا توفير قناة سرية لحماية التاجر الذي يبلغ عن شبكات الضغط والإقصاء، وتمكين الهيئة العامة للمنافسة من فحص الاتفاقات غير المعلنة وتقسيم الأسواق وحجب السلع وحروب الأسعار الهادفة إلى إخراج المنافسين؛ فالنظام يحظر السلوك الذي يعرقل دخول منشأة إلى السوق أو يؤدي إلى إقصائها. (spa.gov.sa)
كذلك يجب ألا يقتصر دعم المواطن على منحه قرضًا وتركه يواجه السوق وحيدًا، بل ينبغي مساعدته في الوصول إلى الموردين، وتقديم الاستشارات القانونية والمحاسبية، ومنحه الأولوية في الفرص التدريبية، ومتابعة مشروعه خلال سنواته الأولى.
لقد بذلت الجهات الرقابية جهدًا كبيرًا، لكن السوق لا يحتاج إلى مزيد من أرقام الجولات بقدر حاجته إلى نتائج ملموسة. فالسؤال الذي يجب أن يُطرح بعد كل حملة ليس: كم محلًا زاره المفتشون؟ بل: كم شبكة تفككت، وكم نشاط تحرر، وكم مواطن استطاع دخول السوق والبقاء فيه؟
إن حماية السوق السعودي لا تعني محاربة الأجنبي، وإنما حماية النظام من كل من يستغله، مواطنًا كان أم مقيمًا. فالسوق المفتوحة تحترم المستثمر النظامي، لكنها لا تسمح لشبكات خفية بأن تتقاسم الأنشطة، وتغلق الأبواب أمام ابن البلد، ثم تتركه يواجه الإفلاس وحده .



