تقرير

حين يتحول تصنيف المركز الصحي إلى حاجز

Listen to this article

حين يتحول تصنيف المركز الصحي إلى حاجز

ضغط المراجعين وتقييد بعض التحاليل يستدعيان إعادة هيكلة الخدمات واعتماد «الاستشاري المتنقل»

أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني

تختلف مراكز الرعاية الصحية الأولية في تصنيفها وعدد كوادرها ونطاق خدماتها، وفق الكثافة السكانية والموقع الجغرافي والإمكانات المتاحة. لكن الزيادة المستمرة في أعداد السكان والمراجعين جعلت بعض التصنيفات لا تعكس حجم الضغط الفعلي الذي تواجهه المراكز اليوم.

ويُلاحظ في عدد من المراكز ارتفاع أعداد المراجعين مقارنة بعدد الأطباء والكوادر المتاحة؛ ما يزيد مدة الانتظار، ويضاعف الأعباء على مديري المراكز والأطباء والتمريض وأخصائيي المختبرات، وقد يؤثر في الوقت المخصص لفحص كل مراجع وجودة الخدمة المقدمة.

ولا يتوقف التحدي عند ضغط المراجعين، بل يمتد إلى اختلاف الخدمات والصلاحيات بين المراكز، خصوصًا في طلب بعض التحاليل التخصصية التي قد لا تتوافر أو لا تُعتمد إلا وفق تصنيف المركز وصلاحيات الطبيب والنظام الإلكتروني المتبع.

تحاليل متاحة طبيًا ومقيدة تشغيليًا

قد يطلب المراجع إجراء تحليل يحتاجه لتشخيص أعراض يعانيها، لكنه يفاجأ بأن الطبيب لا يملك صلاحية طلبه، أو أن المركز لا يقدم التحليل ضمن نطاق خدماته، أو أن اعتماده يحتاج إلى طبيب استشاري غير موجود في المركز.

ويجد أخصائي المختبر نفسه غير قادر على إجراء التحليل، ليس لعدم كفاءته، وإنما لأن المختبر لا ينفذ فحصًا غير مدرج في نظام المركز أو غير معتمد من الطبيب المخول بطلبه.

ومن أبرز تحاليل الفيتامينات التي يمكن إجراؤها مخبريًا، وقد لا تكون جميعها متاحة بصورة روتينية في مراكز الرعاية الأولية:

  • فيتامين د: 25-Hydroxy Vitamin D.
  • فيتامين ب12: Cobalamin.
  • حمض الفوليك «فيتامين ب9»: Folate.
  • فيتامين ب1: Thiamine.
  • فيتامين ب6: Pyridoxine.
  • فيتامين أ: Retinol.
  • فيتامين هـ: Tocopherol.
  • فيتامين ك: Vitamin K.
  • فيتامين ج: Ascorbic Acid.

لكن لا توجد في الأدلة الرسمية المنشورة للعامة قائمة موحدة تنص على أن وزارة الصحة تمنع جميع هذه التحاليل إلا بوجود استشاري. وقد يرجع عدم إجرائها إلى تصنيف المركز أو صلاحيات طلب التحليل أو عدم توافر الأجهزة والكواشف، أو إلى ضرورة إرسال العينة إلى مختبر مرجعي.

وهذا الغموض يستدعي نشر قائمة واضحة تبين التحاليل التي يقدمها كل مستوى من المراكز، والدرجة الطبية المخولة بطلبها، والمسار البديل إذا لم يتوافر الاستشاري.

الضرورة الطبية لا تعني تعطيل الخدمة

تؤكد المعايير الطبية أن تحاليل الفيتامينات لا ينبغي أن تتحول إلى فحوص عشوائية لكل مراجع؛ بل تُطلب وفق الأعراض وعوامل الخطورة والتاريخ المرضي.

فالفحص الروتيني لفيتامين ب12 لا يوصى به للأشخاص الأصحاء الذين لا يعانون أعراضًا، لكنه يصبح ضروريًا عند وجود مؤشرات مثل فقر الدم، واضطرابات الأعصاب والذاكرة، وسوء الامتصاص، وجراحات السمنة، وسوء التغذية، والاستخدام المطول للميتفورمين أو بعض أدوية حموضة المعدة. 

وكذلك لا يوصى بتحليل فيتامين د بصورة روتينية لغير المصابين بأعراض، لكن توجد حالات تستدعي الفحص والمتابعة. وقد تحتاج بعض الفئات، ومنها الأطفال والحوامل والمرضعات ومرضى القصور الكلوي الشديد وبعض أمراض العظام، إلى إشراف متخصص. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود الاستشاري بصورة دائمة داخل كل مركز. 

إن ترشيد التحاليل يحمي الموارد ويمنع الفحوص غير الضرورية، لكن الترشيد يجب ألا يتحول إلى حرمان المريض من تحليل يحتاجه طبيًا، خصوصًا عندما لا يتوافر الاستشاري أو يتأخر موعد الإحالة.

ضغط سكاني يحتاج إلى مراجعة

يخدم تجمع عسير الصحي أكثر من 2.1 مليون مستفيد، من خلال 281 مركزًا للرعاية الأولية و29 مستشفى و18 مركزًا متخصصًا. وهذه الأرقام تؤكد اتساع الشبكة الصحية، لكنها تبرز أيضًا أهمية التوزيع المتوازن للكوادر والخدمات بين المحافظات والمراكز وفق عدد المراجعين الفعلي. 

فالمركز الذي كان يخدم حيًا محدود السكان قبل سنوات قد أصبح اليوم مسؤولًا عن أحياء وتجمعات سكانية متزايدة، بينما بقي تصنيفه وعدد أطبائه وخدمات مختبره دون تغيير يتناسب مع هذا النمو.

مبادرة «الاستشاري المتنقل»

لا يتطلب حل المشكلة تعيين استشاري دائم في كل مركز صحي؛ إذ يمكن اعتماد برنامج للاستشاري المتنقل، يزور مجموعة من المراكز وفق جدول أسبوعي معلن.

وقد يكون حضور الاستشاري يومًا واحدًا في الأسبوع كافيًا لمراجعة الحالات التي تحتاج إلى رأي تخصصي، واعتماد التحاليل المقيدة، وتوجيه أطباء المركز، وتقليل الإحالات إلى المستشفيات والعيادات التخصصية.

ويمكن دعم المبادرة من خلال:

  • تقسيم المراكز إلى مجموعات جغرافية يخدم كل مجموعة استشاري محدد.
  • تخصيص يوم أسبوعي أو نصف شهري للاستشاري بحسب حجم المراجعين.
  • تفعيل الاستشارات المرئية عند تعذر الحضور.
  • توسيع صلاحيات أطباء الأسرة المؤهلين وفق معايير سريرية واضحة.
  • سحب العينات في المركز وإرسالها إلى المختبر المرجعي.
  • تحديث تصنيف المراكز سنويًا وفق عدد السكان والمراجعين.
  • زيادة أعداد الأطباء في المراكز الأعلى ضغطًا.
  • نشر دليل يوضح التحاليل المتاحة والمقيدة وأسباب تقييدها.
  • إظهار مسار طلب التحليل والإحالة ومدته المتوقعة داخل تطبيق «صحتي».

القضية ليست المطالبة بإجراء جميع التحاليل بلا حاجة طبية، وإنما ضمان عدم تحول التصنيف الإداري أو صلاحيات النظام إلى حاجز يمنع المريض من التشخيص المناسب.

والاستشاري المتنقل حل عملي لا يحمّل وزارة الصحة تكلفة تعيين استشاري دائم في كل مركز، ويخدم المراجعين، ويدعم الأطباء وأخصائيي المختبرات، ويخفف الضغط عن المستشفيات.

ويبقى السؤال الموجه إلى وزارة الصحة وتجمع عسير الصحي: هل حان الوقت لإعادة تصنيف المراكز وفق النمو السكاني والضغط الفعلي، واعتماد الاستشاري المتنقل، ونشر قائمة واضحة بالتحاليل المقيدة وصلاحيات طلبها؟

أضف تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *