العمق التاريخي

أ. صالح بن خميس الكناني
عندما نتحدث عن يوم التأسيس للوطن الذي يصادف هذا اليوم 1727/2/22 لوطننا الغالي فإن حديثنا سيأخذنا ليس لثلاثة قرون مضت بل إلى أقدم فإمارة الدرعية الأولى (1744-1446) تأسست على يد مانع بن ربيعة المريدي الجد الأعلى لأسرة آل سعود الذي أسسها على ضفاف وادي حنيفة بنجد.
ولعله من باب التذكير للمتابع أن مدينة الدرعية أسسها مانع بن ربيعة المريدي (الجد الأعلى للأسرة السعودية) سنة 850 ه الموافقة لسنة 1447 م، بعد نزوحه إليها، فنزلها ومن معه وعمرها وأطلق عليها اسم الدرعية.
بعد وفاة مانع تعاقبت سلالته على حكم الدرعية (تداول إمارتها فرع هما «آل وطبان» و «آل مقرن») وازدادوا قوة وقاموا بتوسعة أراضيهم، ولم تزل هذه السلالة تتوارث الإمارة في الدرعية، حتى سنة 1106 ه/ 1695 م تقريبا إذ خرجت الإمارة من يد آل مانع المريدي، ثم عادت إليهم في سنة 1121 ه/ 1709 م، واستمرت حتى حولها الأمام محمد بن سعود إلى دولة بعد اتفاق الدرعية في سنة 1157 ه/ 1744 م،
ولم يتوف إلا وقد شمل نفوذ دولته الجديدة كثيرا من البلدان في عدة أقاليم من نجد، وهكذا ابتدأ دور الإمامة في بيت آل سعود، وقد توالى على حكم الدولة السعودية الأولى أربعة حكام، يتقدمهم:
الإمام محمد بن سعود بن مقرن 1157 1179 ه/ 1744 1765 م.
ومن بعده الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود (11791218 ه/ 17651803 م).
ثم الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود (12181229 ه/ 18031814 م)
ومن بعده الإمام عبد الله بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود (12291233 ه/ 18141818 م).
وقد حقق الإمام محمد بن سعود أول وحدة بمقومات دولة قوية قامت في شبه الجزيرة العربية، بعد الاتفاق الذي تم بينه وبين الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ما يعرف بميثاق الدرعية الذي وقع بين أمير الدرعية الإمام محمد بن سعود والإمام محمد بن عبد الوهاب في عام 1157 ه الموافق 1744. اتفق الإمامان مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، على الدعوة إلى تصحيح عقيدة الناس مما علق بها من الشرك والبدع والخرافات وذلك بالعودة إلى ما كان عليه النبي محمد والسلف الصالح، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل ذلك باللسان والسنان.
ترتب على الميثاق أو الاتفاق تكوين وحدة سياسية كبيرة، على أرض شبه الجزيرة العربية، ضمن العديد من الكيانات السياسية الصغيرة التي كانت تتواجد في إقليم نجد. وكونت منها وحدة سياسية تخضع لنظم واحدة، وظلت هذه الدولة قائمة حتى تمكن إبراهيم باشا، والي مصر، من إسقاطها بعد استيلائه على عاصمتها الدرعية في عام 1233 ه/ 1818.
لعبت الدولة السعودية الأولى منذ قيامها دورا كان له آثار في التغير الذي أصاب شبه الجزيرة العربية في مختلف ميادين الحياة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، حيث وحدت ليس فقط الكيانات النجدية الصغيرة بل امتد نفوذها على معظم أجزاء شبه الجزيرة العربية، وظلت تتسع حتى سقطت الدرعية في عام 1818. بعد أن أحدثت الدولة السعودية الأولى نظاما اقتصاديا قائما على الشريعة الإسلامية كان له أثر بعيد على سكان المناطق التي خضعت لنفوذها ونظمت أمور هذه المناطق الاقتصادية والمالية. ونجحت في إقامة مجتمع مترابط اجتماعي طيلة فترة سيادتها. وقد شجع حكام الدولة السعودية الأولى العلم والعلماء، وإحياء العلوم الشرعية.
وقد توسع حكم الدولة السعودية الأولى من الدرعية إلى أغلب أقاليم وقبائل الجزيرة العربية فكان إقليم العارض البداية ومن ثم إقليم الوشم وسدير والخرج فالقصيم وجبل شمر والجوف وضم الأحساء والقطيف وامتد النفوذ والسيطرة إلى الكويت والبحرين وقطر وعمان.
وامتد نفوذ الدولة السعودية إلى الحجاز وخضعت لهذه الدولة الفتية أغلب قبائل الحجاز إن لم يكن كلها إلى جانب قبائل عسير وجازان ونجران بل امتد حكم الدولة السعودية إلى اليمن فكانت مدينة زبيد إلى جانب مدن كثيرة منها الحديدة مور، واللحية والحديدة وبيت الفقيه في اليمن، باسم الدولة السعودية.
استذكارنا لمؤسس الدولة السعودية يفتح لنا آفاقا واسعة ليس من التأمل فقط بل في الأسلوب وحسن القيادة بالدعوة إلى عبادة الله… فكان الأغلب من الناس سواء في مدن أو قرى أو في بادية عند سماعهم بما يقدمه بن سعود من دعوة إلى عبادة الله وترك الشركيات التي كانت تمارس لغير الله أمنوا بها وبرجل حقق لهم الأمن والأمان فاتجه الناس إلى مشاغل حياتهم لتأمين متطلباتهم وهم آمنون على أموالهم وعيالهم…
أم الراية السعودية فقد رفعت تحمل كلمة التوحيد – لا إله إلا الله محمد رسول الله – فكان رفعها وتطبيقها من قبل أكثر من ثلاثة قرون كرس الحكم للأسرة السعودية إلى عهد مؤسس الدولة السعودية الثالثة الملك عبد العزيز- رحمه الله- وإلى عهدنا السلماني وسيستمر- بإذن الله-.
يتبع: قلاع الدولة السعودية الأولى



