الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أمَّا بعد: فإن اللغة العربية هي لغة البيان والوضوح، كيف لا وهي اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، وتحدث بها سيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. جاء عن السيوطي في : “المزهر في علوم اللغة وأنواعها (1/254):”أنها أفضل اللغات وأوسعها قال ابنُ فارس في فقه اللغة لغةُ العرب أفضل اللغات وأوسعها ، قال تعالى: “وإنه لتنزيل رب العاملين نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتكُونَ مِنَ المنْذِرين بِلِسَانٍ عَرَبيٍّ مُبِينٍ”. فوصفه – سبحانه – بأبلغ ما يُوصَف به الكلامُ وهو البيان”. ومنذ أن نشأت اللغة العربية وتكلم بها الإنسان العربي، عمل على حمايتها من التعدي على أصولها، والأصل في الأسماء العربية الإتيان بكلمتي (ابن و ابنةٍ) بين الأعلام إذا كان الاسمان في سطر واحد وكان الثاني والد الأول لبيان نسبةَ الأول إلى الثاني، كقولنا: محمد بن حسن، وهيفاء بنت أحمد فاستبدلوها في هذا العصر بــ : محمد حسن، وهيفاء أحمد، تبعًا لتلك الدول الاستعمارية التي حذفت(ابن و ابنة) من بين الأسماء، فلا يكاد يُعرف نسبة الثاني إلى الأول وهل الثاني هو والد الأول، أو هو اسم آخر، أو هو اسم مركب تبعًا للأول. وهنا يقع إشكال لا يوضحه سوى وضع (ابن أو ابنة) بينهما لمعرفة أن الثاني هو والد الأول. وهذا التركيب الحديث لا تعرفه اللغة العربية ولم يرد في معاجمنا القديمة. وقد حُذف في هذا العصر مع الأسف هذا الحرف العربي الذي عاصر اللغة العربية منذ نشأتها إلى بدايات القرن الثالث عشر الهجري، أو قبله بقليل عندما جاء الغزاة الأتراك إلى جزيرة العرب، يقول ابن الأمير الكبير في كتاب ” ثمر الثمام شرح غاية الإحكام في آداب الفهم والإفهام ” بتحقيق الشيخ عبدالله العتيِّق، في صفحة (87) عند قول (محمد عبد اللطيف) : بقي أن هذا التركيب كثر في كلام الموَلِّدين” و لا أعلمه في كلام العرب الآن “. إلى أن قال: “والأصل ابن عبد اللطيف” أي بإضافة (ابن) بين محمد وعبد اللطيف) . ولو نظرنا إلى أسماء الأعلام من العهد الجاهلي إلى قريب من العصر الحالي لوجدنا كلمتي (ابن وابنة) ملازمة لتلك الأعلام إلاّ في الأسماء المركبة. كذلك لو نظرنا إلى الوثائق من الجاهلية مرورًا بالعصر النبوي الشريف لوجدناها تحافظ على ذلك النسق العربي. كما أن وثائق الأملاك التي بين المواطنين والأحلاف بين القبائل العربية تتبع ذلك النظام ، لكن الحال تغير في هذا العصر فلا تكاد تجد من يتبعه إلاّ قلة قليلة. وهو النهج القرآني الذي جاء به القرآن الكريم ، حيث يقول الله تعالى : “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ .. الآية . سورة الصف . وكذلك قوله عز من قائل :{وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} سورة التحريم (12) . فأنت ترى عزيزي القارئ كيف أثبت الله سبحانه (ابن وابنه) بين الاسمين . وورد في صحيح البخاري (1/13) : ” قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ» . قَالُوا : فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : «الدِّينَ» . كما ورد أيضًا في صحيح البخاري (4/ 185) قوله صلى الله عليه وسلم: “يَا أُمَّ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، اشْتَرِيَا أَنْفُسَكُمَا مِنَ اللَّهِ لاَ أَمْلِكُ لَكُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلاَنِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمَا». ومن المعلوم أن لكل لغة نظامها الخاص، وخصائصها التي تُعد من مقوماتها وركائزها التي لا تخضع فيها لغيرها، وقد تميزت العربية بهذا الاختصاص، ومن يحاول تغييره فإنما يحاول تفتيتها والقضاء عليها. يقول صاحب كتاب: أسرار العربية (1/5) : فالمحافظة عليها، وعلى تراثها، ضرورة ملحة وواجب قويم يقع على عاتق أبنائها، إذا كانوا أمناء بحق وصِدْق على ما أولاهم الله -تعالى- واختصهم به من مقدرات هذه الأمة… ولذا فيجب على أبناء الأمة اتباع السلف في كل ما من شأنه المحافظة على خصائص اللغة العربية، وجمال ألفاظها، وحسن تركيب عباراتها، لأنها لغة القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، وعدم الاقتداء بالغير وتقليده فيما ذهب إليه، فنحن أمة نعتز بلغتنا وإرثنا الإسلامي الخالد.