سعيد العنقري… جابر عثرات الكرام

المستشار التربوي والتعليمي/ عبدالله بن عطيه الزهراني
في زمنٍ غلب فيه المظهر على الجوهر، وتحوّل الكرم إلى مشهدٍ مصوَّرٍ لا روح فيه، امتلأت منصّات التواصل بصور التفاخر ومقاطع التباهي، حتى بات بعض الناس لا يرون للعطاء قيمةً إلا إن التقطت له عدسة، ولا يمدّ أحدهم يده إلا لتصفّق له الجموع.
لقد اختلطت القيم، وغاب عن كثيرين أن الكرم الحقيقي لا يُقاس بما يُعلن، بل بما يُخفى عن أعين الناس ويُرجى به وجه الله وحده.
وفي خضم هذا الضجيج، يظل هناك رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه، يرون في الكتمان جمال العمل، وفي الخفاء صدق النية.
ومن أولئك الرجال الذين أبقوا على صفاء المعنى ونُبل المقصد، يبرز اسم شيخ النبل والكرم سعيد بن علي العنقري (أبو سامي) — رجلٌ جبر الله به عثراتٍ كثيرة، وأجرى على يديه الخير في وجوهٍ شتّى، فكان حيث يُنتظر المعروف، وحيث يُرجى الفرج.
عرفه الناس بأثره قبل أن يعرفوه باسمه، وبفعله قبل أن يسمعوا صوته.
إنه من الرجال الذين يُنفقون فلا تعلم يمينُهم ما تُنفق شمالُهم، ولا تعلم شمالُهم ما تُنفق يمينُهم، لأنهم يرون في السرّ بركةً، وفي الكتمان إخلاصًا، وفي الخفاء رفعةً عند الله.
يده ممدودةٌ للجميع هكذا نسمع عنه، لا يفرّق بين الناس، يتلمّس حاجات القريب، ويسعى إلى البعيد، يبحث عن المحتاج قبل أن يصل صوته، ويسابق الزمن ليصل إلى من ضاقت به الحال قبل أن يطرق بابه.
كم من بيتٍ أعانه دون أن يُعلن، وكم من محتاجٍ مسّه خيره دون أن يُذكر، وكم من مشروعٍ خيريٍّ قام — بعد توفيق الله — بجهوده الصامتة ودعمه السخيّ.
فالعنقري مدرسةٌ في العطاء النبيل، الذي لا يحتاج إلى إعلانٍ ولا انتظار شكر، بل إلى نيةٍ صافيةٍ وعزيمةٍ صادقة.
الشيخ — حفظه الله — بطبعه يكره المدح والثناء والتمجيد، وينأى بنفسه عن الألقاب الزائفة، لأنه يرى أن العمل الخالص لا يحتاج إلى تصفيق، وأن القيمة الحقيقية للإنسان فيما يقدّمه لا فيما يُقال عنه.
تراه زاهدًا في الظهور، مكتفيًا بأن يكون أثره في حياة الناس خيرًا باقيًا دون أن يُذكر اسمه.
والمقام هنا لا يتّسع لذكر عطاءات الشيخ — حفظه الله — ومساهماته، سواء على المستوى العام أو الخاص، فما قدّمه من خيرٍ يفوق الحصر، ويكفيه أن الله وحده يعلم ما أنفق وأين وضع.
إن وجود رجالٍ كهذا في زمننا نعمةٌ تستحق الشكر، فهم بصمتهم يصنعون الفرق، وبعطائهم تُحفظ القيم، وبسلوكهم تتجدّد معاني المروءة والكرم الأصيل.
فطوبى لمن أعطى وهو لا يريد جزاءً ولا شكورًا، وطوبى لمن جعل من ماله جسرًا للخير، ومن عطائه سبيلًا لستر الله له في الدنيا والآخرة.
أطال الله في عمر الشيخ سعيد بن علي العنقري، وبارك له في ماله وعمره وذريته، وجزاه الله عن الناس خير الجزاء، فقد كان — ولا يزال — جابر عثرات الكرام.



