مقالات

واقع الكتاب وأسعاره في معارضه

Listen to this article

أ. صالح بن خميس الزهراني 

انطلاقًا من المكانة التي يحتلها الكتاب بوصفه حجر الأساس في بناء الوعي وترسيخ المعرفة، واستمرارًا للنهج الثقافي الذي أولته القيادة الرشيدة – حفظها الله – عناية خاصة منذ عقود، فإن المشهد الراهن لمعارض الكتب يستدعي وقفة جادة ومراجعة مسؤولة.

لقد أظهرت معارض الكتب في الآونة الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الكتاب، لا يعود في جوهره إلى المنتج الثقافي ذاته، بقدر ما يرتبط بتكاليف الطباعة والنقل، إضافة إلى الأعباء التنظيمية التي تتحملها دور النشر، من أجور استئجار مساحات العرض، ورسوم التنظيم، ونفقات التشغيل المصاحبة، والتي قد تصل في مجموعها إلى نحو 70٪ من التكلفة النهائية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على سعر البيع للقارئ.

هذا الواقع قد يسهم إلى تراجع الإقبال على شراء الكتاب الورقي، لا سيما في ظل الانتشار الواسع للمحتوى الرقمي عبر الإنترنت، بما يحمله من تنوع في العناوين وتفاوت في القيمة العلمية، وأسعار أقل في أقل، وهو ما يهدد أحد أهم جسور التواصل المعرفي بين القارئ والكتاب.

وإذ نثمّن الدور الكبير الذي تضطلع به وزارة الثقافة – هيئة الأدب والنشر والترجمة – في تنظيم المشهد الثقافي، فإننا نرى أن المرحلة الراهنة تتطلب تدخلًا منظمًا يهدف إلى إعادة التوازن لسوق الكتاب، من خلال إعادة النظر في آليات إدارة معارض الكتب، وتخفيف الأعباء المالية المفروضة على دور النشر والعارضين، بما ينعكس إيجابًا على أسعار الكتب ويشجع على اقتنائها.

كما نأمل في دراسة مبادرات محفّزة، من بينها تقليل رسوم المشاركة في المعارض، وإطلاق جوائز تشجيعية للناشرين والمعارض التي تلتزم بتقديم الكتاب بأسعار مناسبة، إلى جانب دعم الكتاب الرقمي وتسهيل تداوله بوصفه رافدًا مكملًا للكتاب الورقي لا بديلًا عنه.

ويظل التكامل بين وزارة الثقافة ووزارة الإعلام والجامعات والمؤسسات العلمية عنصرًا محوريًا في بلورة حلول مستدامة، تستند إلى خبرات تراكمية ورؤى علمية، وتصب في هدف واحد هو حماية الكتاب، ودعم الناشر، وتمكين القارئ، وتعزيز حضور المعرفة في المجتمع.

إن هذا البيان يأتي من منطلق الحرص على استدامة المشروع الثقافي الوطني، وصون مكانة الكتاب بوصفه أداة بناء لا سلعة مُثقلة بالأعباء، وإيمانًا بأن الاستثمار في المعرفة هو استثمار في الإنسان، وفي مستقبل الوطن.

وإذا ما رجعنا إلى تنظيم هيئة الأدب والنشر والترجمة، نجد أن من بين أهدافها المتعددة تنظيم قطاع الأدب والنشر والترجمة في المملكة وتطويره، وتعزيز بنيته المؤسسية، والارتقاء بمقوماته، إلى جانب دعم وتشجيع العاملين والممارسين فيه. كما تضطلع الهيئة، في إطار تحقيق هذه الأهداف، بوضع الخطط الكفيلة بالمحافظة على الأصول الثقافية لقطاع الأدب والنشر والترجمة، وتفعيلها، وإدارتها، وصيانتها، بما يضمن استدامتها وتعظيم أثرها الثقافي والمعرفي.

وانطلاقًا من ذلك، يأمل المهتمون بالشأن الثقافي أن تتجه الهيئة إلى بحث سبل استدامة معارض الكتب، من خلال إيجاد آليات عملية تشجع على اقتناء الكتاب بقيمة معقولة، بما في ذلك إعادة النظر في بعض الرسوم المفروضة على المشاركين، والتخفيف من الأعباء التشغيلية التي تنعكس مباشرة على أسعار الكتب.

كما يُنتظر من الهيئة تعزيز دعمها للمؤلفين من ابناء الوطن – السعودية – عبر تبنّي مبادرات فاعلة، من بينها اقتناء عدد مناسب من إصداراتهم – بما لا يقل عن ألفي نسخة – للإسهام في تغطية تكاليف التأليف والطباعة، إلى جانب دراسة إنشاء مطبعة تابعة للهيئة تُعنى بطباعة الكتب بأسعار معقولة، بما يخدم الكاتب والكتاب – المؤلف والمؤلف – والقارئ معًا.

يضاف إلى ذلك أهمية تفعيل سياسات تسويقية للمعارض، تتضمن خصومات منظمة تلزم بها دور النشر، ومتابعة أسعار الكتب الواردة من خارج المملكة – من خلال الملحق الثقافي بالسفارات السعودية-، خاصة تلك التي تطرح بأسعار مرتفعة، مع تحديد نسبة ربح الكتب التي يبيعها أصحابها نهاية المعرض بقيمة متدانية لتجنب إعادة التصدير وما يلحقه من تكاليف مالية وذلك بتحديد الربح بما لايتجاوز٢٠٪ بالمكتبات السعودية. ولعل الوزارة بهيئاتها تتنبه للارتفاع في أسعار الكتب قبل أن يختفي المشتري بين قنوات التواصل المتوفر فيها كل ما يراد البحث عنه…!

والعمل على تنظيم بيعها بهوامش ربح معقولة لا تتجاوز (20٪)، بما يسهم في تسهيل اقتناء الكتب وإتاحتها لطلاب العلم والباحثين والقراء على حد سواء. 

حفظ الله المملكة العربية السعودية، قيادة وشعبًا وأرضًا، أشرق منها نور المعرفة، ولا يزال عطاؤها الثقافي ممتدا ومتجددا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى