مقالات

الإرهاب التكفيري.. خطر ممتد لعقود

Listen to this article

الباحث الأمني لواء م/ طلال ملائكة

1- شهدت مدينة حمص في سوريا، أمس القريب، تفجيرًا وقع أثناء صلاة الجمعة داخل مسجد الإمام علي بن أبي طالب، الواقع في أحد الأحياء التابعة للطائفة العلوية، وأسفر عن سقوط (8) قتلى و(18) جريحًا. وقد أعلن تنظيم يُطلق على نفسه اسم «أنصار السنة»، والمنسوب زورًا إلى أهل السنة والجماعة، وهو فصيل تابع لتنظيم داعش الإرهابي، مسؤوليته عن العملية عبر بيان نُشر على نطاق عالمي. وما قد لا يدركه البعض أن هذه التنظيمات لا تجد حرجًا في إعلان جرائمها علنًا، بل تعتبر ذلك جزءًا من سياستها الإعلامية لإثبات الوجود وبث الرعب.

2- وقبل ذلك بيوم، شهدت نيجيريا قصفًا نفذته الولايات المتحدة الأمريكية استهدف مواقع لفصائل تابعة لتنظيم داعش، وذلك في إطار تنسيق مشترك بين الحكومتين، في سياق المواجهة المستمرة مع الجماعات التكفيرية المسلحة.

3- وخلال الساعات الماضية، وقع هجوم بسكين داخل مترو الأنفاق في العاصمة الفرنسية باريس، أسفر عن إصابة ثلاث نساء، حيث ألقت السلطات الأمنية القبض على المهاجم، فيما لا تزال التحقيقات جارية لتحديد ما إذا كان على صلة بأحد التنظيمات التكفيرية الإرهابية، على أن تتضح النتائج خلال الساعات القادمة.

هذه الحوادث الثلاث أعادت إلى ذهني تلك المراحل التي مرّ بها وطني، المملكة العربية السعودية، خلال العقود الماضية، بدءًا بحادثة جهيمان، وما تلاها من مرحلة الغفوة، ثم الجهاد في أفغانستان، وسلسلة التفجيرات الإرهابية لتنظيم القاعدة، ومنها تفجيرا سفارتي نيروبي ودار السلام، وتفجير السفينة الحربية الأمريكية يو إس إس كول، وما أعقب ذلك من عمليات إرهابية قُدّرت بالمئات في مختلف أنحاء العالم. ولم يكن وطني المملكة العربية السعودية بمنأى عن هذه الجرائم، حيث طالت التفجيرات المساجد، والمقار الحكومية، ومجمعات سكن الأمريكيين، واغتيالات رجال الأمن، وغيرها من العمليات الإرهابية التي بلغ عددها المئات.

وتذكرت في هذا السياق الجهود العظيمة التي بذلها الوطن، وزملائي كافة في أجهزة أمن الدولة، في تجفيف منابع الفكر التكفيري الإرهابي، وهي جهود ملموسة أشاد بها العالم الغربي، وكان من أبرزها ما عُرف بـ«العمليات الاستباقية»، وما تبعها من عمل أمني مضنٍ أثمر عن استقرار أمني وطمأنينة ينعم بها الوطن اليوم.

ومنذ أكثر من (43) عامًا، لم أتوقف عن متابعة الأوضاع السياسية، ومكافحة الفساد والعنصرية، وعلى وجه الخصوص الفكر التكفيري الإرهابي، ولا أعتقد أنني سأتوقف عن أداء هذا الدور كما فعل البعض، سواء في مجال التوعية أو إيقاظ الحس الأمني. ويشهد على ذلك سجلي العملي والأكاديمي والتدريبي، وما كتبته ونشرته، وهو واجب أؤديه لوطني، متمسكًا بقيمي الدينية، وجاعلًا نبراس حياتي قول الله تعالى:
(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).

وتبرز الإشكالية حين يخرج علينا بعض الأشخاص، ومنهم من تولّى مناصب قيادية أمنية أو سياسية، متسائلين بنبرة فلسفية: هل هذا هو الوقت المناسب للحديث عن الإرهاب ونشر هذه المواضيع؟

سبحان الله، ليتهم التزموا الصمت واحتفظوا بآرائهم فيما لم يدركوه بتخصصاتهم العملية، أو بقصور رؤيتهم الاستشرافية للمستقبل. وأرد عليهم بسؤال بسيط: هل تضمنون، أيها السادة، أن تتوقف العمليات الإرهابية في وطننا أو في العالم؟ فمن حقك أن تركن إلى الاطمئنان، ولكن ليس من حقك أن تُحبط الآخرين أو تُصادر واجبهم الوطني.

وأخلص في الختام إلى أن المواطن هو خط الدفاع الأول عن الوطن، وأن هذه مسؤولية جماعية تتطلب التعاون الوثيق مع الأجهزة الأمنية كافة. فالفكر الإرهابي التكفيري سيظل خطرًا قائمًا لعقود قادمة؛ قد تكون منابعه حوربت وجُففت في بعض الدول، لكن الفكر ذاته لم ينتهِ ولن ينتهي، إذ انتقلت بذوره لتنشط في قارات مختلفة، فيما بقيت أخرى كامنة، تنتظر لحظة الاستيقاظ.

حفظ الله وطننا وقيادته وشعبه، وحفظ العالم من شرور التطرف والإرهاب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى