خلال السنوات الماضية، ولا سيما بعد حرب غزة وما صاحبها من إبادة وتجويع، ومشاريع تهجير، وحديث عن «الريفيرا» وغيرها، أصبح جزء كبير من الرأي العام العالمي يؤمن بأن الولايات المتحدة الأمريكية خسرت الكثير من مصداقيتها، كما خسرت عددًا غير قليل من حلفائها وأصدقائها وشركائها حول العالم، والأهم أنها خسرت الرأي العام العالمي؛ وهو رأي لو أن الدول المنافسة على الريادة الدولية، كالصين وروسيا، أنفقت تريليونات الدولارات لما استطاعت كسبه بهذا الحجم.
ومن الممكن، من حيث المبدأ، إجراء استفتاء عالمي عبر أدوات الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي لقياس ذلك، ولتعزيز المصداقية يمكن للسفارات والقنصليات الأمريكية رفع تقارير دورية عن مستوى الرضا الشعبي تجاه السياسات الأمريكية، ومدى قبول الشعوب لها خلال نصف القرن الماضي وحتى اليوم. وقد اختُتمت سلسلة سوء التقديرات السياسية الأمريكية، بحسب ما يُتداول إعلاميًا، بعملية اختطاف رئيس فنزويلا وزوجته، في وقت تتجه فيه واشنطن للحديث عن ضم غرينلاند أو شرائها، كما تابع العالم عبر وسائل الإعلام الدولية.
ومن وجهة نظري، فإن أمريكا خسرت كثيرًا مما أسسه الآباء الأوائل من قيم، حتى بات الدستور الأمريكي نفسه موضع شك، بما في ذلك مبدأ استقلالية السلطات الثلاث في النظام السياسي الأمريكي.
لقد خسرت الولايات المتحدة كثيرًا من المبادئ التي طالما رفعتها شعارات لنشر الديمقراطية، وحرية التعبير، والعدالة.
كما خسرت احترام عدد كبير من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، نتيجة عدم التزامها بالقانون الدولي، والحروب التي شنتها بعد الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك ما وُصف بالحرب السريعة على فنزويلا، واختطاف رئيسها وزوجته، بذريعة قضايا تتعلق بالمخدرات. وهنا يبرز تساؤل مشروع: هل ما تسرب من معلومات صحيح أم مجرد إشاعة، بشأن أن أخطر مخدر في العالم، المعروف بـ«الفنتانيل»، يُصنَّع في الصين ويُصدَّر إلى الولايات المتحدة عبر مافيا عالمية؟
وهل صحيح أن الإحصاءات الرسمية الأمريكية لعام 2024 تشير إلى أن ملايين الأمريكيين، ممن تبلغ أعمارهم 12 عامًا فما فوق، يعانون من اضطرابات تعاطي المخدرات؟ وهل صحيح أن المدن الرئيسية تعج بالمدمنين والمشردين في شوارعها؟ وهل يمكن، نظريًا، فرض ضريبة وطنية بنسبة 10% على أصول المليارديرات الأمريكيين لمعالجة هذه الكارثة، وتأهيل المدمنين، وعلاج المرضى، وتوفير مساكن للمشردين والمعدمين؟
لقد مضت الآن سنة على رئاسة ترامب، وقبلها فترته الرئاسية الأولى، فماذا تحقق فعليًا من وعوده على الصعيد الداخلي، ورفاهية المواطن الأمريكي؟ يُقال إن عدد تصريحاته ووعوده تجاوز ثلاثة آلاف، ولم يتحقق منها سوى أقل من 10%.
وعلى الصعيد العالمي، ماذا تحقق؟ هل توقفت حروب لبنان، واليمن، والسودان، وسوريا، وليبيا وغيرها؟ وهل ما زالت حركة طالبان تشكل تهديدًا للأمن القومي الأمريكي والعالمي؟
وكيف تبدو العلاقة مع الصين، ومع الرئيس شي جين بينغ؟ وما نتائج التعرفة الجمركية بين البلدين ومع دول العالم؟ وما قصة تلك اللائحة التي عُرضت في البيت الأبيض متضمنة أرقامًا ودولًا؟ وما وضع تايوان تحديدًا، والسياسة الأمريكية تجاهها؟
وكيف هي العلاقة مع الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون؟ وهل توقف عن تطوير أسلحته النووية والبالستية، أو عن إجراء تجارب عليها، خاصة وأن تقارير إعلامية أفادت بحدوث تجارب حديثة، حتى قبل أسبوع؟
وما طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا؟ وهل ما يُنشر في بعض وسائل الإعلام عن أن ترامب «في جعبة بوتين» له ما يبرره؟ وهل توقفت الحرب في أوكرانيا حتى اللحظة؟ فقد نشرت الأخبار مؤخرًا معلومات عن قصف كييف، وتضرر العديد من المباني، من بينها السفارة القطرية، مع دعوات لإخلاء السكان. وما موقف حلف الناتو والاتحاد الأوروبي؟ وهل هناك توافق حقيقي مع واشنطن بشأن تسويات توقف الحرب؟
وماذا عن ملف معاداة السامية؟ وهل سيتم محاكمة الشعوب أو الأفراد الذين عبّروا عن آرائهم ووجهات نظرهم تجاه السامية أو الصهيونية؟
إنها دعوة جادة ومثيرة للتأمل والتفكير في الحق الإنساني، وفي مآلات القوة حين تنفصل عن القيم. حفظ الله العالم من أطماع الإنسان الشيطانية.