الرئيسية

خناجر مسمومة في جسد الطرق: منحنيات وادي شبرقة بالباحة وبؤس الهندسة المرورية

Listen to this article

أحوال – هزاع منصور الزهراني

لا تزال فواجع الطرق تحصد الأرواح في كسرٍ من الثانية ودون سابق إنذار. ورغم إيماننا المطلق بأقدار الله سبحانه وتعالى—فله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بمقدار—إلا أن شواهد الواقع تؤكد أن غياب المعايير الهندسية في بعض الطرق يمثل “خناجر مسمومة” تتربص بالعابرين، بعيداً عن أعين الرقابة الميدانية والجهات التنظيمية المسؤولة.

التوصيف الجغرافي لبؤرة الخطر

يتجلى هذا الخلل الهندسي الفادح في الطريق الحيوي الرابط بين مدينة الباحة ومحافظة القرى، وتحديداً في المنحنيات الواقعة باتجاه الشمال لوادي “شبرقة” بعد محطة الفحص الدوري للسيارات. هذا المقطع من الطريق بات يشكل نقطة سوداء (Black Spot) في السجل المروري للمنطقة، دون أي حلول جذرية تلوح في الأفق. فهل ننتظر مزيداً من إزهاق الأرواح؟ كما حدث مؤخراً (يوم الخميس 2 صفر 1448هـ، في تمام الرابعة عصراً) إثر سقوط مركبة في أعماق الوادي نتيجة غياب أدنى مقومات السلامة.

المنظور الهندسي والتحليل الفني للمشكلة

من زاوية الهندسة المرورية وتصميم الطرق، تفتقر هذه المنحنيات الحادة إلى أبسط “المحددات التصميمية الآمنة” التي تضمن حماية مستخدمي الطريق، ويظهر القصور الفني في ثلاثة محاور رئيسية:

القصور الهيكلي للمنحنيات: تفتقر هذه المنحنيات إلى حسابات دقيقة لنصف القطر (Radius) وزاوية الميلان العرضي (Superelevation)، وهي المعايير الهندسية الضرورية لمقاومة القوة الطاردة المركزية التي تدفع المركبات خارج مسارها الطبيعي عند المنعطفات.

  1. غياب أنظمة الاحتواء الجانبي (المصدات): يفتقر حافز الطريق المطل على الوادي السحيق إلى أي حواجز خرسانية واقية (New Jersey Barriers) أو سياج حديدي عالي المقاومة (Guardrails)، والتي تصمم هندسياً لامتصاص طاقة الاصطدام وإعادة توجيه المركبة داخل المسار ومنع سقوطها الحر في المنحدرات.

  2. انعدام التوجيه البصري (الإشارات): يعاني الموقع من غياب تام للوحات الإرشادية المضيئة والعلامات الأرضية العاكسة (Cat’s Eyes) التي توفر للمسافرين—خاصة في الفترات الليلية أو أثناء هطول الأمطار وتشكل الضباب الكثيف في منطقة الباحة—ما يُعرف في علم المرور بـ “مسافة الرؤية الآمنة للتوقف” (Stopping Sight Distance).

تأثير العيوب الهندسية على سلوك السائق

تؤكد الدراسات المرورية أن بيئة الطريق هي الموجه الأول لسلوك السائق؛ فالطريق المصمم هندسياً بشكل صحيح يغفر خطأ العنصر البشري (Forgiving Road)، بينما الطرق التي تعاني من تشوهات تصميمية تضع السائقين تحت ضغط ذهني وعصبي مفاجئ، مما يرفع احتمالية فقدان السيطرة وضياع زمن الاستجابة الفورية، لتتحول الأخطاء البسيطة إلى حوادث مميتة.

تساؤلات مشروعة تطلب الإجابة

أمام هذا الخطر الداهم، تبرز تساؤلات ملحة تفرض نفسها على طاولة القرار:

  • مَن المسؤول المباشر عن استلام وتنظيم ومتابعة صيانة هذا الطريق بشكل دوري؟

  • هل تعجز التقارير الدورية للجهات الميدانية عن رصد هذه الفواجع المتكررة بين فترة وأخرى، أم أن الأمر يدخل في دائرة البيروقراطية وإرجاء الحلول؟

  • متى ستتحرك اللجان الفنية لوضع حد لهذه المشكلة التي لم تعد تحتمل أي تأجيل أو مماطلة؟ 

إن الأمل معقود على تكامل الجهود بين أمانة منطقة الباحة، وفرع وزارة النقل والخدمات اللوجستية، والمكتب الاستراتيجي لتطوير المنطقة، بالتنسيق مع الجهات الأمنية ذات العلاقة (المرور وأمن الطرق)؛ للتدخل العاجل وإعادة هندسة هذا الموقع الحرج. إذ لم يعد الأمر مقتصراً على تأمينه مؤقتاً بالحواجز واللوحات التنظيمية، بل يتطلب إعادة تصميم هيكلية للمنحدر والمنعطفات بما يتوافق مع أدلة التصميم الهندسي المعتمدة للطرق في المملكة، صوناً للأرواح وحفاظاً على سلامة العابرين من الأهالي والمصطافين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى