
نرى أخطاءهم… ولا نرى أخطاءنا
من سوء الظن إلى المكابرة: لماذا نفتش عن عيوب الآخرين، ونصمت حين يحين وقت الاعتذار؟
أحوال – محمد سعد القحطاني
قد تبدأ الحكاية بكلمة فُهمت على غير مقصدها، أو موقف احتمل أكثر من تفسير، أو صمتٍ قرأه أحد الطرفين تجاهلًا وإساءة. وبدلًا من السؤال والتثبت، يبدأ العقل في بناء رواية كاملة، ثم يبحث صاحبها عما يؤيدها، حتى يصبح الظن في نظره حقيقة، والتفسير حكمًا، والاختلاف إدانة.
بعد ذلك لا يعود الإنسان باحثًا عن الحقيقة، بل عن خطأ جديد يضيفه إلى ملف الطرف الآخر. يستعيد مواقفه القديمة، ويفتش في كلماته، ويحمّل تصرفاته ما لا تحتمل، بينما يغض الطرف عن أخطائه هو. وإذا ظهرت الحقيقة، لم يعد التراجع سهلًا؛ لأن الاعتذار سيجبره على مواجهة نفسه والاعتراف بأنه ظلم وفهم وأدان قبل أن يتثبت.
فلماذا يفعل الإنسان ذلك؟ ولماذا يرى أخطاء الآخرين بوضوح، بينما تضيق رؤيته عن أخطائه؟ وأين تختفي ثقافة الاعتذار وشرف الخصومة وصدق الكلمة؟
حين يتحول الظن إلى حقيقة
يبدأ سوء الظن غالبًا من فراغ في المعلومات. وحين يغيب التفسير المباشر، يملأ الإنسان هذا الفراغ بتجاربه السابقة ومخاوفه وموقفه المسبق من الطرف الآخر.
فإذا كان غاضبًا، قرأ الصمت استهانة، وإذا كان خائفًا، رأى التأخر إهمالًا، وإذا كان يحمل موقفًا سابقًا، أصبح كل تصرف جديد دليلًا إضافيًا على صحة ما يعتقده.
وهنا يعمل ما يعرف في علم النفس بـ«الانحياز التأكيدي»؛ إذ يميل الإنسان إلى ملاحظة المعلومات التي تؤيد اعتقاده، ويتجاهل ما يناقضه. ولهذا قد يسمع التوضيح، لكنه لا ينصت إليه فعلًا؛ لأنه لا يبحث عن إجابة، بل عن اعتراف يؤكد روايته.
ويتسع الخلاف حين ينتقل صاحبه من مناقشة الفعل إلى محاكمة النية؛ فلا يقول: «هذه الكلمة أزعجتني»، بل يقول: «أنت قصدت إهانتي». وهكذا يتحول الظن إلى اتهام، والاتهام إلى خصومة، والخصومة إلى قطيعة.
وقد جاء التوجيه القرآني واضحًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾؛ لأن الظن حين يُعامل بوصفه حقيقة قد يقود إلى ظلم لا يستند إلى دليل.
لماذا نكبّر أخطاء الآخرين؟
التركيز المستمر على أخطاء الآخرين ليس دائمًا حرصًا على الصواب؛ فقد يكون وسيلة للهروب من مراجعة الذات. عندما يضع الإنسان الطرف الآخر تحت المجهر، يشعر مؤقتًا بأنه الأفضل والأكثر صوابًا، ويعفي نفسه من السؤال الأصعب: ماذا فعلت أنا؟
وهذا ما تصفه الدراسات بـ«الانحياز لخدمة الذات»؛ فالإنسان قد يفسر أخطاءه بأنها نتيجة ضغط أو ظرف أو سوء فهم، بينما يفسر خطأ غيره بأنه دليل على سوء طبعه وفساد نيته.
هو يطلب من الآخرين تفهم ظروفه، لكنه لا يمنحهم المساحة نفسها. ويجد لأخطائه أعذارًا كثيرة، بينما لا يجد لأخطاء غيره إلا الإدانة.
ولذلك قد نسمع شخصًا يقول: «اضطررت إلى قول ذلك لأنني كنت غاضبًا»، لكنه لا يقبل العبارة ذاتها من خصمه. يبرر لنفسه الانفعال، ويعد انفعال الآخر إساءة متعمدة. وهنا لا تعود المسألة بحثًا عن العدل، بل تطبيقًا لمعيارين مختلفين.
المكابرة… خوف يتنكر في هيئة قوة
حين تتضح الحقيقة، يقف الإنسان أمام خيارين: أن يعترف بخطئه ويحفظ العلاقة، أو يكابر ليحفظ صورته أمام نفسه والآخرين.
وقد يبدو المكابر قويًا، لكنه في كثير من الأحيان يخشى أن يفقد مكانته أو أن يُفهم اعتذاره على أنه هزيمة. لذلك يغيّر الموضوع، أو يستحضر أخطاء قديمة، أو يقدم اعتذارًا مشروطًا من قبيل: «أعتذر إذا كنت قد فهمت كلامي خطأ»، فيحمّل المتضرر مسؤولية الإساءة بدل أن يتحملها هو.
وأظهرت دراسة منشورة في المجلة الأوروبية لعلم النفس الاجتماعي أن رفض الاعتذار قد يمنح المخطئ شعورًا مؤقتًا بالقوة والسيطرة والمحافظة على صورته الذاتية؛ وهذا يفسر لماذا يختار بعض الناس المكابرة رغم معرفتهم بأن الاعتذار أصلح للعلاقة. (research.monash.edu, onlinelibrary.wiley.com)
لكن هذا الشعور قصير المدى قد تكون كلفته كبيرة؛ فالإنسان يحافظ على كبريائه لحظة، لكنه يخسر ثقةً بُنيت في سنوات، ويمنع جرحًا صغيرًا من الالتئام حتى يتحول إلى قطيعة.
الاعتذار ليس هزيمة
الاعتذار الحقيقي لا ينتقص من كرامة الإنسان، بل يثبت قدرته على الانتصار على نفسه. وهو لا يعني أن يتحمل المرء ما لم يفعله، ولا أن يتنازل عن حقه، بل أن يعترف بنصيبه الحقيقي من الخطأ.
وتشير نتائج بحث تجريبي منشور في Scientific Reports إلى أن الاعتذار يعزز التسامح؛ لأنه يوصل إلى الطرف المتضرر رسالة مفادها أن العلاقة ذات قيمة، وأن الألم الذي وقع لم يُتجاهل. (nature.com, pmc.ncbi.nlm.nih.gov)
ولا يكفي أن يقول الإنسان: «آسف» ثم يكرر الفعل نفسه. الاعتذار الصادق يتكون من اعتراف واضح بالخطأ، وتحمل للمسؤولية من دون تبرير، وفهم للأذى الذي وقع، ثم محاولة جادة لإصلاحه وعدم تكراره.
أما الاعتذار الذي يبدأ بـ«لكن»، فكثيرًا ما ينتهي بإلغاء ما سبقه؛ لأن صاحبه لا يعتذر بقدر ما يدافع عن نفسه.
أين شرف الخصومة؟
شرف الخصومة لا يعني غياب الخلاف، بل حضور الأخلاق داخله. أن تختلف دون أن تكذب، وأن تغضب دون أن تظلم، وأن تدافع عن نفسك دون أن تشوّه خصمك.
ومن شرف الخصومة ألا تستغل أسرارًا عرفتَها في زمن الود، وألا تنكر فضلًا سابقًا بسبب موقف لاحق، وألا تبتر الكلمات أو تنقلها خارج سياقها لتكسب تعاطف الناس.
الخصم الشريف يرد على الفكرة، ولا يهدم الإنسان. يعرض الوقائع كما حدثت، لا كما تخدم روايته. وإذا تبين له أنه أخطأ، رجع إلى الحق؛ لأن صدق الكلمة عنده أهم من الانتصار المؤقت.
أما من يحوّل الخلاف إلى حملة تفتيش في حياة الآخر، ويجمع زلاته، ويستدعي الجماهير لمحاكمته، ثم يرفض الاعتذار حين تظهر الحقيقة، فإنه لا يدافع عن حق بقدر ما يحاول حماية صورته ولو على حساب الحقيقة.
وسائل التواصل توسّع دائرة الضرر
كانت الخلافات قديمًا تبقى غالبًا بين طرفين، أما اليوم فقد تتحول كلمة غاضبة إلى منشور عام، وتصبح إساءة الفهم مادة للتعليقات وإصدار الأحكام.
ومع كل تأييد يحصل عليه صاحب الرواية، يصبح التراجع أصعب؛ لأنه لم يعد مطالبًا بالاعتذار لشخص واحد، بل بمواجهة جمهور أقنعه سابقًا بأنه الضحية الوحيدة.
وهنا يتحول الجمهور أحيانًا من شاهد إلى وقود، فيشجع التصعيد ويسخر من الاعتذار، كأن الرجوع إلى الحق ضعف، وكأن الإصرار على الخطأ ثبات.
لذلك فإن من الأمانة ألا ننشر خلافًا قبل استنفاد التواصل المباشر، وألا نحكم على غائب من رواية طرف واحد، وألا نشارك في التشهير تحت عنوان النصرة؛ فقد ننصر ظالمًا ونحن نظنه مظلومًا.
كيف نوقف هذه الدائرة؟
يتطلب وقف هذا السلوك أن يفرّق الإنسان بين ما شاهده فعلًا وما استنتجه. فقولك: «لم يرد على رسالتي» حقيقة، أما قولك: «لم يرد لأنه يحتقرني» فتفسير قد يكون صحيحًا أو خاطئًا.
والخطوة الثانية هي السؤال المباشر قبل الاتهام: ماذا قصدت؟ هل فهمت موقفك بصورة صحيحة؟ فكم من علاقة هدمتها إجابة افترضناها ولم نطلبها.
ثم تأتي مراجعة الذات: ما نصيبي من هذا الخلاف؟ هل نقلت كلامًا غير دقيق؟ هل بالغت في رد فعلي؟ هل منحت نفسي أعذارًا حرمت الطرف الآخر منها؟
وأخيرًا تأتي شجاعة الاعتذار؛ لا باعتباره تنازلًا مهينًا، بل ردًّا للحق إلى صاحبه، وتصحيحًا للكلمة، وحمايةً لما يمكن إنقاذه من العلاقة.
ليس المطلوب أن نتفق دائمًا، ولا أن تستمر كل العلاقات، وإنما أن نظل عادلين حتى في لحظة الفراق. فقد تنتهي المودة، لكن لا ينبغي أن تنتهي الأخلاق.
إن أسوأ ما يصنعه سوء الظن أنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يحرم صاحبه من رؤية نفسه. وأسوأ ما تفعله المكابرة أنها تجعل الإنسان يفضّل خسارة علاقة على قول: «لقد أخطأت».
فأين ثقافة الاعتذار؟ تبدأ حين نتوقف عن اعتبار الاعتراف هزيمة. وأين شرف الخصومة؟ يظهر حين نحفظ للآخر كرامته في غيابه وحضوره. وأين صدق الكلمة؟ يتجلى عندما نقول الحق ولو كان على أنفسنا.
فالاعتذار لا يصغّر صاحبه؛ الذي يصغّره أن يعرف الحقيقة، ثم يختار المكابرة.