الرئيسيةتقرير

طفلك خلف الباب.. فلماذا لا يكون أمام عينيك؟

مبادرة تقترح جعل المراقبة المباشرة بالصوت والصورة شرطًا لترخيص دور الحضانة ومراكز ضيافة الأطفال

Listen to this article

 

طفلك خلف الباب.. فلماذا لا يكون أمام عينيك؟

مبادرة تقترح جعل المراقبة المباشرة بالصوت والصورة شرطًا لترخيص دور الحضانة ومراكز ضيافة الأطفال

أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني

تغادر الأم دار الحضانة، ويبقى طفلها خلف الباب، لكن قلبها لا يغادر معه. تمضي إلى عملها، وبين ساعة وأخرى تنظر إلى هاتفها، لا لترى طفلها، بل لتتساءل: هل تناول طعامه؟ هل بكى؟ هل نام؟ وكيف عومل حين لم تكن هناك؟

وقد تتصل بالحاضنة فتسمع إجابة مطمئنة، غير أن الإجابة تبقى رواية من داخل المكان، وليست مشاهدة مباشرة لما يحدث فيه.

من هنا أطرح مبادرة تجعل تركيب منظومة مراقبة مرئية ومسموعة، وربطها بهواتف الوالدين، شرطًا إلزاميًا لترخيص دور الحضانة ومراكز ضيافة الأطفال، بما فيها الحضانات المنزلية المرخصة. فلا يُمنح الترخيص ولا يُجدَّد لأي مركز لا يتيح للأب والأم متابعة طفلهما مباشرة خلال وجوده فيه.

ليست الفكرة وضع كاميرا عند الباب، أو حفظ تسجيل لا يُفتح إلا بعد وقوع المشكلة؛ بل تركيب كاميرات داخل كل غرفة ومساحة يقضي فيها الأطفال وقتهم، تغطي جميع الزوايا بالصوت والصورة، وتمنع وجود نقاط لا تصل إليها الرقابة، مع استثناء دورات المياه وأماكن تبديل الملابس وكل موضع تقتضي خصوصيته المنع.

الرعاية التي لا تخشى المشاهدة

قد تكون الحاضنة حسنة التعامل أمام الوالدين، ثم يتغير سلوكها بعد انصرافهما. وقد يبكي الطفل ولا يعرف والداه سبب بكائه، أو يتعرض لقسوة لا يستطيع وصفها، خصوصًا إذا كان في عمر لا يمكّنه من الكلام أو التعبير عما حدث له.

ولا يعني ذلك اتهام العاملات في هذا القطاع؛ ففي دور الحضانة مربيات أمينات يؤدين رسالة إنسانية عظيمة. لكن الأنظمة لا تُبنى على حسن الظن وحده، وإنما تُبنى لحماية الطفل، وحماية المربية الملتزمة من الاتهام، وحماية المركز من الادعاءات غير الصحيحة.

فالكاميرا هنا لا تراقب المربية فقط، بل تشهد لها أيضًا. وإذا ادعى أحد الوالدين وقوع إساءة لم تحدث، كانت التسجيلات دليلًا يحفظ حق العاملة والمنشأة كما يحفظ حق الطفل.

حساب خاص لكل أسرة

تقترح المبادرة إنشاء منصة رسمية أو نظام تقني معتمد، يُربط مباشرة بالجهة الحكومية المشرفة. ويُمنح الأب والأم أو ولي الأمر حسابًا موثقًا لا يتيح لهم إلا مشاهدة الغرفة التي يوجد فيها طفلهم، وخلال ساعات حضوره فقط.

ولا تستخدم الحضانة كلمة مرور واحدة تمنحها لجميع الأسر، بل يكون لكل ولي أمر دخول مستقل عن طريق التحقق من الهوية ورمز أمان متغير. ويسجل النظام اسم من دخل إلى البث، ووقت دخوله، ومدة المشاهدة، مع وضع قيود تقنية تمنع تنزيل المقاطع أو إعادة نشرها أو تداولها.

وينتهي حق المشاهدة آليًا عند مغادرة الطفل للمركز أو انتهاء تسجيله فيه، فلا يستطيع أي شخص متابعة الأطفال بعد زوال صفته بوصفه ولي أمر لطفل مسجل.

الصوت جزء من الحقيقة

الصورة قد تكشف الحركة، لكنها لا تكشف الكلمة. فقد تبدو المربية هادئة في المشهد، بينما تستخدم عبارات قاسية أو تهديدًا أو تخويفًا لا يظهر في الصورة.

لذلك تقترح المبادرة أن تشمل المنظومة الصوت أيضًا، وفق تنظيم خاص تصدره الجهات المختصة، يحدد من يملك صلاحية الاستماع، وكيف تحفظ التسجيلات، ومتى يجوز الرجوع إليها، والعقوبات المترتبة على نشرها أو إساءة استخدامها.

ولا يُترك تشغيل الصوت أو إيقافه لإدارة الحضانة؛ لأنه جزء من منظومة الحماية، على أن تُراعى في تطبيقه أحكام حماية البيانات الشخصية وخصوصية الأطفال والعاملات والأسر.

شرط للترخيص لا ميزة إضافية

لا ينبغي أن تعلن إحدى الحضانات أنها توفر الكاميرات بوصفها خدمة تسويقية إضافية، بينما تعمل حضانة أخرى من دونها. فالمسألة لا تتعلق بمستوى الرفاهية أو مقدار الرسوم، وإنما بحق الطفل في الحماية وحق والديه في الاطمئنان.

وتقترح المبادرة ألا يصدر الترخيص أو يُجدَّد إلا بعد التحقق من:

1. تركيب كاميرات تغطي جميع غرف الأطفال والممرات والساحات المسموح بتصويرها.
2. عدم وجود زوايا عمياء داخل مساحات الرعاية.
3. جودة الصورة ووضوح الصوت واستمرار التسجيل.
4. ربط المنظومة بمنصة إلكترونية معتمدة.
5. تمكين الوالدين من المتابعة المباشرة خلال وجود طفلهم.
6. حفظ التسجيلات مدة نظامية محددة.
7. حماية البث من الاختراق أو النسخ أو التداول.
8. وجود سجل إلكتروني يوضح عمليات الدخول والمشاهدة.
9. إجراء فحص دوري للكاميرات، وإشعار الجهة المشرفة فور تعطلها.
10. تعليق استقبال الأطفال عند تعطل المنظومة مدة تتجاوز الحد المسموح.

كما يجب أن تتضمن المنصة زرًا عاجلًا يمكّن ولي الأمر من تسجيل ملاحظة على لحظة محددة من البث. وعند الضغط عليه، تُحفظ الدقائق السابقة واللاحقة للواقعة تلقائيًا، وتُحال الشكوى إلى إدارة المركز والجهة الرقابية من دون قدرة أي طرف على حذف المقطع أو تعديله.

رقابة تحمي الجميع

أعلنت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية أن عدد مراكز ضيافة الأطفال المرخصة خلال عام 2025 بلغ نحو 1900 مركز، تخدم أكثر من 60 ألف طفل، وتشمل مراكز مستقلة وأخرى داخل مقار العمل، ومراكز متنقلة ومنزلية ومخصصة لضيوف الرحمن.

وهذا الاتساع يجعل الرقابة التقليدية وحدها غير كافية؛ فالمفتش لا يستطيع البقاء في كل مركز طوال اليوم، بينما تستطيع التقنية أن تجعل سلامة الطفل تحت رقابة أسرته والجهة المختصة في الوقت نفسه.

إن الأم لا تريد أن تكتشف بعد عودة طفلها أن شيئًا ما حدث له، ثم تبدأ رحلة البحث عن التسجيل وتقديم الشكوى. هي تريد أن تراه في اللحظة نفسها، وأن تعرف أنه بخير من دون أن تتصل كل ساعة وتسأل الشخص نفسه الذي يفترض أن تطمئن إلى أدائه.

هذه المبادرة لا تقوم على الشك في كل حاضنة، وإنما على حقيقة بسيطة: الطفل الصغير لا يستطيع دائمًا الدفاع عن نفسه، ولا وصف ما تعرض له، ولا تحديد من أساء إليه.

وحين نعجز عن منح الطفل صوتًا كاملًا، يجب ألا نحرمه من عين والديه.

فالحضانة التي تؤتمن على طفل، ينبغي ألا تخشى أن تكون رعايتها أمام أسرته. ومن يرفض هذا الشرط، لا ينبغي أن يُمنح حق إغلاق الباب على أطفال الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى