

صراع الذكريات
بين أبٍ رحل،
وطفلٍ كبر،
وأحلامٍ لم تصل
أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني
في صغري كنت لا اخاف
وكنت اشعر بقوة ابي في روحي وجسدي وكنت أجد موطني حيث كان
واسمع قصص السنين العجاف
وحين كبرت واقبل ولدي
رحل ابي الى زمانٍ بعيد
فأخذ معه روحي وتركني مع فلذة كبدي
فرحلت عن بلدي
وبحثت عن ذاتي من جديد
ولكني فقدت القوة والامان
واصبحت اخاف
اشتقتُ إليَّ حين كنت صغيرًا؛ فقد كنت أرى حولي أحبابًا رحلوا اليوم إلى زمن بعيد، وأعيش بقلب لم يكن يعرف أن الوجوه التي يحبها قد تغيب، وأن البيوت قد تبقى في أماكنها بعد أن تفقد أصوات ساكنيها.
اشتقت إلى أحلامي التي لم تتحقق؛ فقد كنت أظن أنها آتية لا محالة، وأن الأيام تخبئها لي في مكان قريب. كنت أنتظر الغد بشغف، كأن بيني وبينه موعدًا لا يمكن أن يخلفه. كبرت، وجاء الغد مرات كثيرة، لكن بعض الأمنيات لم تأتِ، وبعض الطرق أخذتني بعيدًا عما رسمته في خيالي.
في صغري لم أكن أخاف؛ لأن أبي كان موجودًا. لم أفهم حينها أن الطمأنينة التي أعيشها لم تكن نابعة مني وحدي، بل كانت امتدادًا لوجوده. كنت أشعر بقوته في روحي وجسدي، وكأن العالم لا يستطيع الوصول إليّ ما دام واقفًا أمامي.
كان أبي موطني؛ حيثما وجدته شعرت أنني في مكاني، وحين أجلس إليه وأسمع قصص السنين العجاف، كنت أرى فيها حكايات بعيدة لا تخصني. لم يخطر ببالي أنني سأعيش يومًا سنواتي العجاف من دونه، وأنني سأعود إلى كلماته باحثًا بين تفاصيلها عن قوة فقدتها بعد رحيله.
ثم كبرت وأقبل ولدي، وجاءت الحياة إليّ بيد، بينما أخذت أبي باليد الأخرى. وجدت نفسي أبًا لطفل يرى فيّ ما كنت أراه في أبي، وفي اللحظة ذاتها أصبحت ابنًا يبحث عن أبي ولا يجده.
كان عليّ أن أبدو قويًا أمام فلذة كبدي، بينما شيء في داخلي كان ينهار بصمت. كان ابني يمسك بيدي مطمئنًا، وأنا أتمنى لو أمد يدي الأخرى فأجد يد أبي. ينظر إليّ طفلي كأنني أعرف الطريق، بينما كنت للمرة الأولى أشعر أنني تائه.
رحل أبي إلى زمان بعيد، ولم يأخذ معه حضوره وحده؛ أخذ ذلك الجزء الذي كان يجعلني أطمئن دون سبب. أخذ صوتًا كنت أستند إليه، وظلًا كنت أختبئ فيه من قسوة الأيام. تركني مع ابني، وكأن الحياة تقول لي: انتهى زمن الاحتماء، وبدأ زمن الوقوف في المقدمة.
رحلت عن بلدي، لكنني أدركت لاحقًا أن رحيلي الحقيقي بدأ يوم رحل أبي. فلم تكن غربتي في المسافة بيني وبين المكان، بل في المسافة التي صنعها غيابه بيني وبين نفسي. بحثت عن ذاتي في المدن والوجوه والطرق الجديدة، وكلما ظننت أنني اقتربت منها، أعادتني ذكرى واحدة إلى الطفل الذي كنته.
أصبحت أخاف؛ أخاف من فقد جديد، ومن خبر يأتي دون موعد، ومن أحلام أخرى تذبل قبل أن أصل إليها. أخاف على أبنائي كما كان أبي يخاف عليّ دون أن أشعر. أخاف أن يروا انكساري، وأن يبحثوا في وجهي عن الأمان فلا يجدونه كاملًا.
وأحيانًا أتساءل: هل كان أبي لا يخاف حقًا، أم أنه كان يخفي خوفه عني كي أبقى مطمئنًا؟ هل كانت قوته التي رأيتها حقيقة كاملة، أم أنها تضحية أب اختار أن يحمل قلقه وحده حتى لا يصل إليّ؟
ربما كان مثلي؛ يخاف ولكنه يبتسم، يتعب ولكنه يقف، تضيق به الحياة ثم يعود إلى بيته كأن شيئًا لم يحدث. وربما أصبحت أفهمه الآن أكثر مما فهمته حين كان بقربي، لكن هذا الفهم جاء متأخرًا؛ جاء بعد أن أصبح الكلام معه مستحيلًا.
تؤلمني الذكريات لأنها تمنحني أبي للحظات ثم تأخذه من جديد. أسمع صوته في داخلي، وأرى مجلسه، وأتذكر طريقته في الحديث والسكوت، ثم أفتح عيني فلا أجد إلا المكان الذي كان فيه.
وأتذكر الطفل الذي كنته؛ طفلًا لا يخاف، يظن أن أبيه لن يرحل، وأن أحبته سيبقون، وأن أحلامه ستتحقق كلها. أنظر إليه من مسافة العمر وأشتاق إليه، لا لأنه كان أصغر مني فقط، بل لأنه كان يملك ما فقدته: أبًا حاضرًا، وقلبًا مطمئنًا، ومستقبلًا لم تخذله الأيام بعد.
لم أعد أبحث عن الماضي لأنه كان كاملًا، بل لأنني كنت فيه كاملًا. كان أبي حيًا، وأحلامي حية، والخوف بعيدًا. أما اليوم، فأحمل ابني بيد، وذكرياتي باليد الأخرى، وأسير محاولًا أن أبدو قويًا، بينما يسكن داخلي طفل ما زال ينادي أباه.



