
أ. شريفة عبدالقادر الحفظي
المرء يفقد جزءاً منه ثمناً لكل تجربة يمر بها في حياته، من طفولته حتى المشيب (بغض النظر عن مكتسباته)، لذا نجده يحن كثيراً لطفولتة عندما كان كاملاً، والنقص والكمال الذي أعنيه هنا ليس بمعناه الحرفي، وإنما هو الفقد المعنوي لجزء لايتجزأ لكيانٍ مابداخله، والذي يُمثل له شخص و عالم أحبٍه كثيراً وتشبّث به وأستبقاه بشتى الطرق والوسائل، ولكنه فشل في الحفاظ عليه وإستبقائه، كما أراده هو في نسخته الأصلية، ففارقه بلا وداع، ومضى مثقلاً بالأحزان على مضناه، وتوالت عليه الأحداث بعده، في لهوٍ ولعِب وفرح وترح، ونهبٍ و سلب، وأخذ يتشكل و يرتسِمُ في كل واقعة بِمُحيا جديد، له ملامح و معالم مختلفه، وظروف وواقعٍ مختلف، ولكنه يشِيّ بذات المعاناة و ذات المصير، حينها كل مايتبادر إلى الأذهان سؤال واحد، وهو أي جُزء ياتُرى سيُغادر كياني مع هذه التجربة..؟! وأي حنين سيجعلُني التقيه مجدداً..؟! وحتى هذا الحال مع كل فقدٍ و إستبقاء ومع كل لقاءات الحنين والتي تتجسد في الأماكن وفي صورنا القديمة، وفي بعض الزهور ورائحة العطورات ونغمات الأغاني ومسلسلاتنا القديمة وطرقات المدارس، كلها تصبح مع الوقت من الغالي النفيس، ودوامها بالطبع سيكن من المحال، لأنها تشكُلات روحية، والروح من أمر ربي وكنهتوها فسيحٌ فسيح !! ومناطها القلب، والقلب مضغة فارهة،إستهلاكها وهن على وهن، يحرمنا من لذة الحياة، و يجعل النفسَ خاوية على عروشها، عندها نتمنى لو أن لنا ريحٌ كريح سليمان غدوها شهراً ورواحها شهراً !! لنرمم أنفسننا بأنفسنا من خلالها قبل الرحيل، رغم أنه عبثاً نُرمم حفنة من تراب!
والله وحده هو من يُحيي العظام وهي رميم، فحتماً ونحن ماضون بطورِ سنين، ستنبُذنا أجسادُنا وتصبح بالية، ويتشوه جمالنا في ليالينا الخالية، وتخار قوانا بعد بأسٍ وشدة، وسيغدر بنا واقعنا المؤلم، وتفتك بنا خناجره المثلومة، ويقتحمُنا كالسراب مع كل تجربة وأخرى فلانستطيع أن نُمسك به لنُنازله، فهو وهم و همّ، عندها سندرك أن ذكرياتنا الجميلة تغيب ثم تتلاشى مع كثرة الندوب، ونظل نسير طوعاً وكرهاً مُنهكين، في سِباق مع الزمن التليد، فدقائقه وثوانيه عزيزة تتمرد علينا ثم تُطوق أعناقنا وتمضي مُسرعة فلا تنتظرنا وهي أعمارنا، ولايبقى لنا إلا الوقوف على عتبات الحنين بعد كل تجربة وأخرى، ولسان حالنا يقول.. عندما كُنت طِفلاً .. كُنت كاملاً.



