يستغرب معظمنا حين يتلقى اتصالاً من شركة أو مؤسسة خدمات تسعى لبيع جهاز، أو عرض برنامج سياحي، أو غير ذلك، ويتساءل في دهشة: «كيف حصلوا على رقمي واسمي؟!».. نندهش لحظتها ثم ننسى الأمر، لنفاجأ بعد فترة باتصال مشابه من جهة أخرى تعرض منتجاً أو خدمة جديدة!
إن الجوال يمكن تشبيهه بقارب يتخلله العديد من الثقوب التي تتسرب منها وإليها المياه، والقصد هنا بـ -المياه- هو: البيانات الشخصية.
هل تعلمون أن جميع أجهزة الجوال تتجسس علينا؟ وهذا أمر معروف لدى أجهزة الاستخبارات والمختصين في الأمن السيبراني. وأنا هنا لا أتحدث عن البرامج الحكومية المتقدمة التي تُستخدم لأغراض أمنية محددة كنظام -بيجاسوس- وغيره، بل أتحدث عن تسريب وسرقة البيانات من جوالاتنا.
فمن خلال هذه الأجهزة التي نحملها في جيوبنا، وترافقنا في مقر عملنا، وغرف نومنا، وأسفارنا، يمكن تتبع تحركاتنا وجمع كافة بياناتنا الشخصية. ومن يمتلك هذه البيانات بمقدوره تتبع الشخص المستهدف في أي مكان بالعالم، وينطبق هذا على الجميع، ولا سيما كبار المسؤولين والعسكريين والجنود المرابطين على جبهات القتال، خاصة عند تواصلهم مع عوائلهم أو نشر مقاطع فيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها.
تحدد هذه البيانات المواقع بدقة عالية، وتكشف إحداثيات وجود الجوال وزاوية تواجد الشخص، وهي بيانات يُمكن شراؤها عبر وسطاء وسماسرة ينتشرون حول العالم. فمن خلالها يُحدد موقع الجوال وتحركات صاحبه، ويُعرف نمط حياته اليومي والأسبوعي والشهري، وبذلك يسهل استهدافه حال رغبت أي جهة في ذلك عبر تحليل سلوكه اليومي.
تُجمع هذه البيانات من خلال بعض التطبيقات العامة التي نستخدمها يومياً؛ كتطبيقات الطقس، أو التسوق الإلكتروني، أو متابعة الأخبار، أو الألعاب، فضلاً عن تطبيقات الشركات التجارية، والمطاعم، وتوصيل الطلبات، والسياحة والسفر.. وغيرها.
فعلى سبيل المثال: عند افتتاح معرض أو إطلاق منتج معين، يمكن للجهة المعلنة أو الوسيط تتبع كل من يتابع هذا الموقع، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتحديد مواقع المتابعين للوصول إليهم في الوقت المناسب. وهذه البيانات تُباع لأي جهة سواء كانت أفراداً، أو شركات، أو سماسرة، أو أجهزة استخبارات، أو حتى مجرمين، لمعرفة نمط حياة الهدف والوصول إليه ببساطة. واليوم، هناك ما يقارب 6 مليارات معلومة وبيان معروضة للبيع، ويمكن لأي طرف شراؤها.
(المضمون أعلاه منقول بتصرف عن الوثائقي الشهير لـ DW: «جواسيس داخل الهاتف الذكي.. في شباك سماسرة البيانات»).
ما أود الوصول إليه هو أن المطلوب منا كمستخدمين لهذه التقنية توخي الحذر الشديد عند التعامل مع المواقع غير الرسمية، وعدم تزويد أي جهة بالبيانات الشخصية، مع سن القوانين المحلية والدولية التي تجرم تداول أو بيع البيانات الشخصية بصفة عامة. علماً بأن هناك طرقاً وتقنيات أمنية يمكن للشخص اتباعها لمنع تعقبه مهما حاولوا.