news.ahwal@gmail.com
مقالات

أنسنة المكان في شعر الشقر

تطرق الشعراء قديماً وحديثاً للأرض والحنين إلى مراتع الصبا وأماكن الذكريات الجميلة, ففي أقوال شعراء المعلقات وغيرهم نجد هذا الحنين والأمثلة على ذلك قول امرئ القيس في معلقته :
قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل … بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخول فحَوْملِ
فتوضح فالمقراة لم يَعفُ رسمهاَ … لما نسجتْها من جَنُوب وَشَمْأَلِ
ترى بَعَرَ الأرْآمِ في عَرَصاتِها … وقيعانها كأنه حبَّ فلفل
أو قوله في قصيدة أخرى:
لمن طلل بين الجدية والجبل … محل قديم العهد طالت به الطيل
وزالت صروف الدهر عنه فأصبحت … على غير سكان ومن سكن ارتحل
ومثل ذلك قول طرفة بن العبد في معلقته:
لخولة أطلالٌ ببرقة ثهمد​​تلوح … كباقي الوشم في ظاهر اليد
بروضة دعميٍ فأكناف حائلٍ​​… ظللت بها أبكي وأبكي إلى الغد
ولعل وقوف الشاعر أبو الفتح بن أبي حصينة السلمي على الأطلال يكشف حنينه إلى الماضي فيقول:
نزلت جبال تهامة فلأجلها … يهوى الفؤاد تهامة وجبالها
يا صاحبي قفا عليّ بقدر ما … أسقي بوكف عبرتي أطلالها
فلطالما ملأت سعاد عراصها … طيبا إذا سحبت به أذيالها
ومع هذا نجد الشاعر مهيار الديلمي يتساءل عن إمكانية تجاوب الأطلال مع سائلها فيقول:
أجِدك بعد أن ضم الكثيب … هل الأطلال إن سئلت تجيب
وهل عهد اللوى بزرود يطفي … أوامك إنه عهد قريب
أما من خاطب الأرض وتحدث معها كما يتحدث الصديق مع صديقه فهو المجنون قيس بن الملوح فقد خاطب جبل التوباد الذي كان مسرحاً لقصة حبه لليلى العامرية ثم كان المختبأ له بعد أن تمكن حبها من قلبه ثم غادره وعاد إليه بعد مدة فقال قصيدته المشهورة التي تضمنت حديثه مع أنيس وحشته جبل التوباد فقال :
وأجهشت للتوباد حين رأيته … وكبَّر الرحمن حين رآني
وأذرفت دمع العين لمَّا عرفته … ونادى بأعلى صوته فدعاني
فقلت له قد كان حولك جيرة … وعهدي بذاك الصرم منذ زمان
فقال مضوا واستودعوني بلادهم … ومن ذا الذي يبقي على الحدثان
قال ابن خُرمان:
إذا تكلمنا عن الشعر الشعبي خاصة شعر الشقر وجدنا أغلب الشعراء يتطرقون للديار والجبال والأودية كثيرا لكن لفت انتباهي ما وجدته في قصيدة للشاعر صالح بن صنيق العمري الزهراني استمعت لها في مقطع وصلني عن طريق وسائل التواصل حيث شرح لنا فيها زيارته لوالديه في وادي ممنا والذي عاش فيه شاعرنا فهو من قرية الحليمة إحدى قرى وادي ممنا, وقبل أن نتطرق للقصيدة يجدر بنا التعريف بهذا الوادي حسب ويكيبيديا: ( يقع وادي ممنا في تهامة منطقة الباحة ، ويتبع إداريا لمحافظة المخواة التي يبعد عنها حوالي 10 كم باتجاه الغرب، وينتهي بجبل صغير يطل على وادي دوقة التابع لمحافظة قلوة وهو أحد أودية بني عمر الأشاعيب ويعتبر من أكبر الأودية ويبلغ طوله حوالي 17 كم تحيط به سلسلة من الجبال، ومن أشهرها جبل التيس الارتفاع من ثلاث جهات ويتكون من حوالي 22 قرية ).
ونعود للشاعر ابن صنيق مع الوادي والتي بدأها بشرح مروره لغرض الزيارة لكنها زيارة تختلف عن زيارات سابقة وبشدة.!
وإذا تساءل المستمع لماذا تختلف هذه الزيارة عن سابقاتها؟!
رغم المثل الذي يقول: ( المعنى في بطن الشاعر ) إلا أننا نستطيع التخمين ومعرفة سبب الاختلاف حيث هيجت الزيارة الشجن لدى الشاعر واستثارت الذكريات واتضح هذا في محاورة الشاعر للوادي الذي أشعرنا بإنسانية الجماد ووصف ساعة حواره مع الوادي بأنها من أطيب الأوقات وأسعدها فقال:
البارح مريت ممنا في زيارة تختلف بالحيل
وتحاورنا معه في ساعة يا طيبها من ساعة
ثم ينتقل بنا الشاعر إلى نص الحوار فيسأل الوادي عن سبب التغيير الذي يلاحظه في فتور الاستقبال والذي كان يتمنى ألا يحدث بين الأهل والأحبة الذين يدافعون عن بعضهم ويحتمي كل منهم الآخر:
قلت يا ممنا ويش اللي غيرك ويش صار ويش جرى
كنت وادي تحتضن من جاك وتعادل بمية وادي
وانحن اهلك نحتميك ونحتمي في بعضنا بعض
لكن رد الوادي على تساؤلات الشاعر كانت بالموافقة على الملاحظة ثم يشرح السبب والذي لم يكن الوادي سبباً فيه لكنه من أهله الذين بعد غناهم تركوه وكلٌ ذهب لشأنه وكأنهم لم يعودوا بحاجة إليه والشواهد يوردها الوادي في حديثه حيث فتحت الطرق المسفلتة في جنبات الوادي المنيع ثم نبتت أشجار السدر والرين في المزارع بعد أن كانت مزارع الوادي علامة الخير وغزارة الإنتاج من الحبوب والمحاصيل الزراعية الذي يغطي المنطقة كاملة بل يصل إلى المناطق الأخرى ثم أن الأبناء لم يعودوا يهتموا بأملاك الأجداد وأهملوها ويؤكد أنهم لا يعرفون حدودها, ويواصل حديث الأسى بأن العتب واللوم ينبغي أن يقع على السبب في هذا العقوق وهم الناس الذين جرهم زمان العولمة إلى ترك حقوقهم وأملاكهم:
قال صح بما تقوله ما كذبت بمنطقك يا لشاعر
لكن انتم من تغير بعد كل راح واغتنى
والجبل خط مسفلت والبلد عادت سدور ورينا
والولد ما عاد يعرف حد جدانه ودار ابوه
لا تلوم ولا تعاتبني دخيلك خلني في حالي
ذا زمان العولمة ما عاد به وادي ولا جبل
ويضيف الوادي في حديثه الشاهد الأكبر لما يقوله بأن يوجه اللوم مباشرة إلى صاحبه الشاعر بأنه لولا رغبته في زيارة والديه في القرية لما مر على الوادي فليست هذه المرة الأولى التي يزور الشاعر مدينة المخواة التي لا تبعد سوى أكيالاً قليلة عن الوادي فقد تكررت زياراته دون أن يمر على وادي الذكريات, لينهي الشاعر الحديث دون رد منه على إتهام الوادي مما يعطي الانطباع بموافقته على كل ما ذكره من أسباب :
وانت لولا ابوك وامك ما اعتنيت وجيتني يا صالح
تاصل المخواة وتعود وساقك ما وصل بنا

وهنا القصيدة مرتبة:
البارح مريت ممنا في زيارة تختلف بالحيل
وتحاورنا معه في ساعة يا طيبها من ساعة
قلت يا ممنا ويش اللي غيرك ويش صار ويش جرى
كنت وادي تحتضن من جاك وتعادل بمية وادي
وانحن اهلك نحتميك ونحتمي في بعضنا بعض
قال صح بما تقوله ما كذبت بمنطقك يا لشاعر
لكن انتم من تغير بعد كل راح واغتنى
والجبل خط مسفلت والبلد عادت سدور ورينا
والولد ما عاد يعرف حد جدانه ودار ابوه
لا تلوم ولا تعاتبني دخيلك خلني في حالي
ذا زمان العولمة ما عاد به وادي ولا جبل
وانت لولا ابوك وامك ما اعتنيت وجيتني يا صالح
تاصل المخواة وتعود وساقك ما وصل بنا

قال ابن خُرمان:
أتمنى أن يكون حالفني التوفيق في الحديث حول هذه القصيدة وإيصال رسالتها حسب فهمي .
والله ولي التوفيق.

المصدر
كتبه / علي بن ضيف الله بن خُرمان الزهراني
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. مقال جميل ورائع واستشهاد بشاعر رائع فحقيقه نعرف صالح بن صنيق كشاعر وربما يصنف شاعر عرضه او شعبي درجه ثانيه او ثالثه حسب العطاء والحفلات والتواجد بالساحه ولكن أجزم ان هذه القصيده لشاعر كبير ربما لم تخدمه الظروف للتواجد بشكل مستمر بالسوشل واشكر سعادة العميد علي ضيف الله على رؤعة المقال وطريقة السرد والاستشهاد بما يخدم الموروث الجنوبي بشكل عام وتوضيحه وإظهار جماله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى