مقالات

السُفرة… حين كانت تجمعنا

Listen to this article

أ. علي محمد الزهراني

توشك “السُفرة” على الانقراض خلال سنوات قليلة قادمة، لتلحق بركب ما جرفته الميديا والانشغال والعزوف عن “وجع الرأس” داخل البيت. لقد تغيّر نمط الحياة حتى باتت المناسبات والعزائم تُفضل خارج المنزل، في مطاعم أو عبر تطبيقات التوصيل.

نعم، هذه الحقيقة المؤلمة نشهدها يومًا بعد يوم.

للسُفرة تاريخ طويل، زاخر بالذكريات الجميلة والأحاديث العائلية الدافئة.. ثلاث عبارات كانت تُردد يوميًا في كل بيت:

  • “أفرشوا السُفرة…”
  • “الأكل على السُفرة…”
  • “شيلوا السُفرة…”

لكن هذه العبارات لم تعد مألوفة لأغلب أبناء الجيل الجديد، ممن اعتادوا طلب “الدليفري”، وتناول الطعام في غرفهم، كلٌ على حدة.

كان الجلوس على السُفرة حدثًا يتكرر ثلاث مرات يوميًا: إفطار، غداء، عشاء.
لكن أول الوجبات التي انسحبت بهدوء كانت وجبة العشاء… لأسباب مثل “الرجيم” أو “النوم الخفيف”.
ثم لحِق بها الإفطار، ضحيةً لموجة “الصيام المتقطع” الذي يروّج له كعادة صحية، وإن كان على حساب دفء الأسرة.
أما الغداء، فظل متماسكًا لفترة أطول، حتى بدأ يتفكك تحت ضغط اختلاف المواعيد، والانشغال، وتفضيل الوجبات الجاهزة، أو بسبب الصيام ذاته.

صرنا نضع الطعام في صحون لمن يتأخر، يُسخّنها في “الميكروويف”، ويأكل وحيدًا.. ضاعت بركة الاجتماع، وغابت السكينة.

لنا، ولكثيرين قبلنا، لم تكن السُفرة للطعام فقط.
كانت قاعة محكمة، ومجلس شورى، ومعملًا لتفريخ الأطباء والمهندسين والعلماء.
كنت تجلس قبالة الوالد، ذاك الركن المهيب، رئيس الجلسة، وبجواره الوالدة… تمثّل الادعاء، لكنها تُخفف الحكم.
الأشقاء شهود غالبًا ما يكونون شركاء في الجُرم.
تُصدر الأحكام هناك، وتغادر الغرفة وأنت تضرب الأرض بقدمك، تتمتم بكلمات لا يفهمها سواك.

اليوم، اختفى هذا المشهد الجميل.
رحل الوالدان –رحمهما الله– بعدما منحانا أعوامًا من الرحمة، وتفرّق الشهود.
وباتت الأسر لا تجتمع على السُفرة في أي من الوجبات الثلاث. وإن اجتمع الأب والأم، فغالبًا يكونان بمفردهما إن كانا لا يزالان على قيد الحياة.

بات الأكل في المطبخ، أو الشارع، أو المطاعم.

من منا يعتبر السُفرة مفرشًا وملاعق فقط… من عير أن يدرك انها:

  • حوار ونقاش ومشاركة.
  • حكايات وضحك ونصائح وتعليم.
  • حياة أسرة، ونبض مجتمع.

فلننقذ السُفرة، فقد يكون بإعادة لمتنا هو السبيل لإنقاذ الأسرة من التمزق الكامل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى