غلطان .. في النمرة

بخيت طالع الزهراني
قبل يومين وأنا في أحد المستشفيات الأهلية لطب العيون بجدة، وعندما حان موعد صلاة الظهر، توجهت لمصلى صغير تم إقامته في الفناء الداخلي، وبعد أن فرغنا من الصلاة نهضت مسرعًا كي ألحق بـ “دوري” فربما اقترب موعد المناداة باسمي.
.
فجأة .. أحد المصلين نظر نحوي بأريحية، رأيتها طافرة من عينيه، بينما كان بقية وجهه متواريا خلف الكمامة، ثم راح يرفع يده يحييني، رددت عليه بإشارة من يدي.
.
وعند مكان ارتداء الأحذية – أكرمكم الله – لحق بي، وإذ به يفاجئني بشيء لم أتوقعه، قال لي: (كيفك يا دكتور …؟) .. تلعثمت، ولم يعطني مهلة كي أقول له شيئا قريبًا من العبارة الدارجة: ( تراك غلطان في النمرة)
وأضاف بسرعة وتودد: (ترى احنا جاهزين، ندخلك العيادة – بعد شوي)
.
تبسمت، مع انفراج ضحكة مودة خفيفة مني، لم يرها بالطبع، لأن معظم وجهي كان مدفونا تحت الكمامة، لأربت على كتفيه بجواب مقتضب، رأيته كافيًا شافيا، لإزالة حالة اللبس التي تغشته: (يا حبيبنا الغالي – أنا مراجع مثلك).
.
ثم اندفعت أعدو إلى داخل المستشفى، هربًا من توابع ذلك الموقف، الذي حدست أنه سبب إحراجًا لصاحبي.
.
والواقع أن المواقف الحياتية لنا جميعا، حافلة بمثل هذا وأدنى منه وأكبر، وتظل – على أية حالة – من النقاط الدرامية التي لا تنسى.
وأظن أن قاسمها المشترك هو اللبس، عندما يتقاطع البصري مع الإدراكي، والذي يكون من محرضاته وبواعثه، حالة نفسية من التوق الشديد، للخروج من منعطف ما، إلى أفق من الأمل الجميل، لأن تلتقي بمن تتمنى وتريد.
لكن النتيجة – مع الأسف – تكون سرابًا في سرابٍ في حالات كثيرة، ومعها “حفنة” لا بأس بها من الإحراجات لكلا الطرفين.
.
وفي جلسات الأصدقاء ومسامراتهم عندما (تفتح هذه السيرة) ينهمر الحديث حولها كشلال لا يكاد يتوقف، فتجد أن عددًا من الجالسين، وقد بدأ يستحضر واحدة أو أكثر من المواقف الطريفة، التي وقع في شراكها، فيما الجالسون بين ضاحك ومبهوت، وبعضها من شدة تعقيدها لا تكاد تصدقها، لولا ثقتك في الراوي.
.
أتوقع – الآن – وأنتم تقرؤون سطوري هذه، قد بدأ كلٌ منكم الغوص في ثنايا ومنعطفات حياته الماضية، ليستذكر واحدا أو أكثر من المواقف التي مرت به، وهو يبتسم وحيدًا.
هل حقًا دفعتكم – للابتسامة…؟.



