
رحلة أسطوانة الغاز.. مبادرة تبدأ من الخزان وتنتهي عند المستهلك
مقترح لنقل مستودعات الغاز خارج العمران، وإسناد النقل إلى شركات متخصصة، وربط الرحلة بمنصة رقابية موحدة
أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني
تصل أسطوانة الغاز إلى المستهلك بعد رحلة تبدأ من منشأة التعبئة أو مستودع التوزيع، ثم تمر بمركبة النقل ومحل البيع، وتنتهي عند المنزل. ورغم أن كل مرحلة تخضع لاشتراطات الجهات المختصة، فإن تعدد المسؤولين والمركبات والمواقع يفتح مجالًا لدراسة نموذج أكثر توحيدًا وسهولة في الرقابة.
وفي عدد من المدن يتولى بعض أصحاب محلات الغاز توفير المركبة والسائق لنقل الأسطوانات المرتجعة إلى منشأة التعبئة وإعادتها ممتلئة. وقد تكون المركبة مستوفية والسائق مؤهلًا، لكن مستوى التشغيل يظل مرتبطًا بإمكانات كل محل وطريقة إدارته للصيانة والتحميل والرحلات.
ولا يفترض هذا التقرير غياب الأنظمة أو مخالفة المنشآت والمركبات العاملة؛ فأصحاب الاختصاص في الجهات الحكومية هم الأعرف بتقدير مستوى المخاطر وتحديد الاشتراطات. وإنما يقدم مبادرة قابلة للقبول أو التطوير أو الرفض وفق ما تثبته الدراسات الفنية.
المحور الأول: مراجعة مواقع الخزانات والمستودعات
النقطة الأهم تبدأ من منشآت التعبئة ومستودعات التوزيع والخزانات الكبرى. فبعض المواقع التي أُنشئت سابقًا بعيدًا عن السكان ربما وصل إليها العمران وأصبحت قريبة من مساكن ومنشآت تجارية وطرق مكتظة.
ولا يعني قرب أي منشأة أنها مخالفة بالضرورة، لكن تغير البيئة العمرانية حولها يستدعي إعادة تقييم ملاءمة موقعها بصورة دورية.
وتقترح المبادرة إعداد خريطة وطنية لمواقع التعبئة والتخزين والتوزيع، تتضمن السعة التخزينية والمسافة عن الأحياء والكثافة السكانية ومسارات الشاحنات وزمن وصول الطوارئ والتوسع العمراني المتوقع.
ثم تصنف المواقع إلى:
- مواقع يمكن استمرارها بعد ثبوت استيفائها للمتطلبات.
- مواقع تحتاج إلى معالجة إضافية أو خفض كميات التخزين.
- مواقع يوصي المختصون بنقلها إلى نطاقات أبعد عن السكان.
كما تقترح إنشاء مناطق لوجستية للطاقة خارج الامتداد العمراني، مزودة بطرق مستقلة وأنظمة إطفاء ومراقبة ومسارات إخلاء، مع حماية الأراضي المحيطة بها من التحول مستقبلًا إلى استخدام سكني أو تعليمي أو صحي.
ولا يحدد التقرير مسافة ثابتة؛ لأن مسافات الأمان تختلف بحسب نوع المنشأة وسعتها وتصميمها وطبيعة الموقع، ويعود تحديدها إلى الجهات الفنية.
المحور الثاني: ناقل معتمد بعقد حكومي
تقترح المبادرة أن تتعاقد الدولة مع شركة متخصصة أو عدد محدود من الشركات في كل منطقة، تتولى نقل أسطوانات الغاز من منشآت التعبئة إلى مراكز التوزيع، واستلام الأسطوانات المرتجعة وإعادتها.
وتُمنح عقود التشغيل من خلال منافسة معلنة ولفترة محددة، وتتضمن مواصفات المركبات والسائقين والصيانة والتأمين والتتبع وخطط الطوارئ ومؤشرات الأداء والعقوبات.
وبعد تطبيق المنظومة لا يُترك لكل صاحب محل توفير شاحنة وسائق من طرفه للنقل بين المحل ومنشأة التعبئة، بل يصبح النقل الرئيس من اختصاص مشغل معتمد، بما يوحد المسؤولية ويسهل الرقابة.
وتلتزم الشركة بما يأتي:
- استخدام مركبات مخصصة ومعتمدة.
- تعيين سائقين مؤهلين لنقل المواد الخطرة.
- فحص المركبة والحمولة قبل الانطلاق.
- تطبيق وسائل التثبيت والحماية التي تعتمدها الجهات الفنية.
- إصدار وثيقة إلكترونية لكل حمولة.
- الالتزام بالمسارات والأوقات المعتمدة.
- مراقبة المركبات وإدارة الطوارئ.
- تحمل المسؤولية منذ استلام الحمولة حتى تسليمها.
والنموذج الأقرب للتطبيق هو استمرار التعبئة داخل المنشآت المعتمدة، ثم نقل الأسطوانات الجاهزة عبر الشركات المتخصصة. أما نقل الغاز بصهاريج إلى خزانات ثابتة في مراكز خارجية، فيمكن دراسته بوصفه خيارًا آخر إذا أجازته الجهات المختصة.
المحور الثالث: نقل محلات الغاز خارج الأحياء
تقترح المبادرة كذلك دراسة نقل محلات بيع وتخزين الأسطوانات من داخل الأحياء إلى مراكز توزيع خارج الكتل السكنية.
ويتم ذلك تدريجيًا بعد حصر المحلات وتقييم مواقعها وتجهيز البدائل، مع منح أصحاب الأنشطة مهلة وتسهيلات للانتقال، ومنع إصدار تراخيص جديدة في المواقع التي لا تحقق المتطلبات المعتمدة.
وحتى لا يضطر المواطن إلى الذهاب إلى المواقع الخارجية، تُشغل خدمة توصيل مرخصة من مركز التوزيع إلى المنازل، عبر مركبات صغيرة معتمدة تحمل كميات محدودة تحددها الجهات المختصة.
وبذلك تصبح الرحلة:
منشأة تعبئة وتخزين خارج العمران ← ناقل متخصص بعقد حكومي ← مركز توزيع خارجي ← مركبة توصيل معتمدة ← المستهلك.
منصة رقمية ورمز لكل أسطوانة
ترتبط جميع أطراف الرحلة بمنصة موحدة تسجل بيانات الشركة والمركبة والسائق والحمولة ومنشأة التعبئة ومركز التوزيع والوجهة.
ولا تسمح المنصة ببدء الرحلة إذا انتهت رخصة الناقل أو بطاقة السائق أو فحص المركبة أو التأمين، أو إذا تجاوزت الحمولة الحد المسموح.
كما يُوضع رمز تعريفي على كل أسطوانة يوضح تاريخ تصنيعها وفحصها وصيانتها وتعبئتها ورحلاتها، ويمنع تداولها إلكترونيًا إذا انتهى فحصها أو ظهرت عليها ملاحظة تستدعي إيقافها.
وتلتزم منشأة التعبئة بعدم تسليم أي حمولة إلى مركبة أو سائق لا تظهر أهليتهما في النظام؛ لتُمنع الرحلة غير المستوفية قبل دخولها الطريق.
ماذا نستفيد من التجارب الدولية؟
تشترط سنغافورة اعتماد مركبة النقل وترخيصها، ووجود خطة طوارئ، وحصول السائق على تصريح متخصص، وربط ناقل الغاز بالمورّد.
وتطبق بريطانيا ومنظومة ADR تدريبًا متخصصًا للسائقين، ووثائق وتعليمات للطوارئ، وفحصًا للمركبة والحمولة، وتحديدًا لمسؤوليات أطراف النقل.
أما أستراليا فتركز على الأقفاص المعيارية والتثبيت الهندسي للأسطوانات، وتبين أن سلامة المركبة لا ترتبط بكونها مفتوحة أو مغلقة بقدر ارتباطها بتصميم الحمولة وتثبيتها.
وتنظم الولايات المتحدة برامج استبدال أسطوانات البروبان من خلال التدريب ووثائق الشحن والعلامات التحذيرية وتأمين الحمولة، بينما توسع كوريا الجنوبية التدريب ليشمل السائقين وموزعي الأسطوانات.
ولا يعني ذلك أن المملكة تبدأ من الصفر؛ فالسعودية لديها متطلبات لسائق المواد الخطرة ووثائق النقل وتثبيت الحمولة وعلامات التحذير، إلى جانب لوائح للدفاع المدني وهيئة المواصفات. والإضافة المقترحة هي جمع هذه العناصر داخل منظومة تشغيلية واحدة.
تطبيق مرحلي قابل للقياس
تبدأ المبادرة بحصر المنشآت والمستودعات والمحلات والمركبات والسائقين والرحلات، ثم إعداد المواصفات وطرح عقود التشغيل.
بعد ذلك تُنفذ تجربة في مدينة أو منطقتين، تشمل ناقلًا معتمدًا ومركز توزيع خارجيًا ومنصة رقمية، وتقارن النتائج من حيث عدد الرحلات والتكلفة والمخالفات وسرعة التوزيع وجاهزية المركبات.
وإذا أثبتت التجربة نجاحها، تتوسع تدريجيًا مع نقل المواقع ذات الأولوية خارج العمران.
وتُقاس النتائج من خلال:
- انخفاض الرحلات الفردية.
- نسبة المركبات والسائقين المستوفين.
- عدد المخالفات والحوادث والتسربات.
- سرعة الاستجابة للطوارئ.
- تكلفة النقل لكل أسطوانة.
- مدة وصول الطلب إلى المستهلك.
- نسبة المواقع التي نُقلت خارج الأحياء.
- رضا المحلات والمستهلكين.
الجهات المعنية
ترتبط المبادرة بوزارة الطاقة، والهيئة العامة للنقل، والدفاع المدني، والمرور، ووزارة البلديات والإسكان، ووزارة التجارة، وهيئة المواصفات والمقاييس والجودة، والهيئة العامة للمنافسة، والجهات المشغلة لمنشآت التعبئة.
وتقترح المبادرة تشكيل فريق مشترك يحدد الجهة القائدة، ويقيّم المواقع الحالية، ويدرس النموذج الاقتصادي والفني، ويقرر ما يصلح للتطبيق.
فالمبادرة لا تطالب بتصريح ورقي جديد، بل بإعادة تنظيم رحلة الغاز كاملة: موقع آمن للتعبئة والتخزين، وناقل متخصص، ومركز توزيع بعيد عن السكان، وتوصيل مرخص، ومنصة تعرف من يحمل الأسطوانة وإلى أين تتجه.
وكلما توحدت المسؤولية، أصبحت الرقابة أدق، والمعلومة أسرع، والسلامة أقرب.



