مفاهيم مغلوطة باعثها النرجسية

أ شهون بن عبد الرحمن الزهراني
هناك من يروج لعبارة ” لا يهمك رضا الناس ولا تبحث عن سعادتك من خلال رضا الآخرين، ولا تضيع عمرك في خدمة من ينكر الجميل.” هذه العبارات يحاول بعض الناس ترسيخها في أذهان الآخرين، بل ويذهبون إلى أن ذلك يعني ذوبان شخصية الإنسان على حساب إرضاء الآخرين، ويجعلون أن مؤدى ذلك إضعاف الشخصية بل وشقاوتها لأنها تبحث عن سعادة الآخرين – دون طائل– وتنسى نفسها ثم تفاجأ بالنكران والضياع، في حين أنها لن تصل إلى رضا ذلك الشخص.!
والحقيقة التي مرية فيها أن هناك فرق كبير في ماهية الأفعال والأقوال التي من خلالها يكون رضا الناس عن الشخص. فإن كانت الأفعال والأقوال محمودة، فإن في ذلك الخير للإنسان ويعبر عن باطن فيه الخير والإيمان، بغض النظر عن ردة الفعل لدى الآخرين، وهذا من سعادة الإنسان ونبل أخلاقه وسمو صفاته. بل أنه حين يفعل ذلك فإنه يقوم بواجب شرعي وحق من حقوق المسلم على المسلم، ولا ينظر إلى ردة الفعل ولا على أي وجه تكون .
شخصياً لا أتفق مع من يؤمن بمثل هذه النرجسية، فالشرع يأمرنا بالاهتمام بالآخرين بغض النظر عن مواقفهم السلبية تجاه فاعل الخير.. والدليل على ذلك وجو كثير من النصوص تدل على أن قيام الإنسان بالأفعال الطيبة لن يضيع مهما كان تكران الآخرين، فقد قال الله تعالى:[ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۖ ] وقال الله سبحان وتعالى:[ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ] وقد حثّنا الرسول صلى الله عليه وسلم على قضاء حوائج الناس والتيسير عليهم ومن ثم فإن الله عز وجل يقابل هذا التيسير بتيسير أعظم وأكبر في زمن يكون فيه العبد أشد احتياجاً وأكثر ضعفاً، ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه] رواه مسلم كما وصف رسول الله صل الله عليه وسلم من ينفع الناس بأنه أحب إلى الله فقال [ أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد – يعني مسجد المدينة- شهرًا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ـ ولو شاء أن يمضيه أمضاه ـ ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة ـ حتى يثبتها له ـ أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام].
فهل بعد هذه النصوص العظيمة يمكن قبول صحة القول بعدم الاهتمام بالآخرين ومساعدتهم والتعاون معهم.. لأنهم لا يعترفون بالجميل.؟! وأن على الإنسان أن يهتم بنفسه وحسب.! لقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالتعاون فقال عز وجل:[ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.] والنصوص الدالة على فعل الخير بغض النظر عن ردة الفعل كثيرة.
ربما تكون عبارة رضا الناس غاية لا تدرك صحيحة وتوجب العمل بها وعدم الاهتمام بحصول هذا الرضا من عدمه، لكن ذلك يكون في مسألة الأذواق في المطاعم والملابس والسكن والسيارة والتجارة والأعمال وغير ذلك من الأمور، فما تراه أنت جميلاً ونافعاً قد يراه غيرك على عكس ذلك، ولن تبلغ غاية الرضا عند كل الناس في هذا الجانب، أما الأفعال والتعاملات فالفعل الحسن والتعامل الطيب سيبقى كما هو في عيون الناس العقلاء وعند الله سبحانه وتعالى وهو الأهم.
كما إن الفعل المذموم والقبيح سيكون كذلك في عيون العقلاء وعند الله عز وجل. صحيح أن مثل هذه المبادئ التي يروج لها بعض الناس قد تصلح للتعامل بها خارج إطار المجتمع المسلم بناء على ما قد وجدوه في كتب ومؤلفات غربية أو مبادئ تابعة للفكر الغربي ممن لم يتشبع بتعاليم الإسلام ومبادئه وقيمه، ولا يعرف دوره في هذه الحياة ولا يقوم بواجبه تجاه مجتمعه كمسلم، فقد يصلح تطبيقها هناك حيث تم تأليفها ونشأتها بعيداً عن سماحة الاسلام ومبادئه أما في ظل القيم والمبادئ الإسلامية والتعاملات الإنسانية، فليس لها محل البتة.
ففي الإسلام قيم ومبادئ لا تستقيم حياة الإنسان إلا بها ومن تلك القيم قيمة الإيثار وحب الخير والتعاون وبذل المعروف للناس، فبقدر مستوى هذه القيم في الإنسان يكون مستواه بين الناس وعند الله عز وجل. فموازينه دقيقة في فعل الخير قال الله سبحانه وتعالى : [فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ..]
ونختم القول هنا إنه بافتراض عدم بلوغ رضا الناس فيما يقدمه لهم أهل الخير فأنت حينما تفعل الخير فإنك ترضي رب الناس وهذا يكفي. فرضا الله عز وجل أكبر وأعظم من رضا الناس جميعاً. فهو الغاية العظمى والهدف الأسمى. وقد تدرك بحسن النوايا وطيب الأفعال. والموضوع يستحق مزيداً من البحث.
جعلنا الله وإياكم ممن ينفع الناس ويحبهم الله سبحانه وتعالى.




ما شاءالله تبارك الرحمن
مقالة في قمة الروعة
فعلا نحن نعيش (مصطلحات )ما انزل الله بها من سلطان كأن نقول : فلان ما فيه خير
او نقول : فلان ما يستاهل
او نقول : فلان لا يثمر فيه المعروف
وهكذا ….
فكانت النتيجة القطيعة وعدم المبادرة في العطاء .
سلمت يداك اخي الغالي والأستاذ الفاضل ابا انور .
اخوكم
احمد بن بخيت شهوان الزهراني
ماشالله تبارك الله يا سعادة المستشار شهوان الزهراني ، مقال في الصميم ينبغى على المرء قرأته اكثر من مرة لستوعب جوانبه ويقف على ما فيه من عبر ومواعظ ، جزاك الله خيرا وزادك علما
حياك الله استاذنا الغالي فاضل كتبي اسعدني مرورك واثلجت صدري عباراتك يا ابا هيثم ونحن دائما ننهل من معين وسمو وطيبة اخلاقكم ومبادئكم تحياتي وتقديري لشخصكم والأسرة الكريمة
احسنت استاذ شهوان على هذا المقال الجميل
فقد افتقدنا الرسائل الاعلامية الهادفة التي كنا نقرأها في الصحف الورقية ويتأثر بها الناس
واسمح لي ان اضيف ان رضا الناس ليس غاية بقدر ماهو وسيلة للتعايش الطيب.وخدمتهم ليس ضعفا بقدر ماهي من صفة أخلاق الكبار والإحسان لهم حتى لو دون شكر لا يضيع أجره عند الله
مرحباً اخي الفاضل محمد السلمي شكراً لمرورك وجزاك الله خيراً على طيب مشاعرك
تعليقكم على المنشور تعتبر إضافة مضيئة انارت جوانب كثيرة في الموضوع وكشفت زوايا عدة لمعنى المثل رضا الناس غاية لا تدرك.
كما عهدنا أسلوبك منذ عرفناك استاذ محمد عميق المعاني والأفكار ارجو ان تكون في حياتك العملية بعد الوظيفة افضل مما كنت لك تحياتي وتقديري
النرجسية إضطراب سلوكي مؤذي، وقد افرد له المتخصصون الكتب والتوعية والعلاجات النفسية من جميع اللغات، ومن لم يعايش شخص نرجسي مختل لن يستطيع فهم الأعراض، لذا لا أنصحك بالقفز بكلتا قدميك والكتابة فيما لا تفقه، ولقد جانبت الصواب في محاولة تقوية الحجة بالأدلة الشرعية، وأنت لم تخض في جلسات علاجية للمتضررين، بل انت بما كتبت تساهم في دعم وحماية المختل وإيجاد الأعذار بحجة سماحة الإسلام وأنت لا تعرف أيجديات السلوك النرجسي والسيكولوجي وتبعاته النفسية على المتضررين !